توقيت القاهرة المحلي 14:41:40 آخر تحديث
  مصر اليوم -

سوريا... الاختبار القاسي

  مصر اليوم -

سوريا الاختبار القاسي

بقلم:جمال الكشكي

سوريا لا تستحق ما يجري فيها الآن من اقتتال، وفتن، واعتداءات إسرائيلية، وتدخلات إقليمية، فكل ذلك سيؤثر على استقرارها أولاً، واستقرار الإقليم ثانياً، ويصنع أزمة مزمنة، كأزمة القضية الفلسطينية التي بدأت هكذا في بداية القرن العشرين الماضي، وانتهت إلى ما نحن فيه.

نعرف أن سوريا غنية بالأعراق، والثقافات، والطوائف، والأفكار، وكل ذلك يعد مصدراً من مصادر الثراء الإنساني، ولا يمكن أن يتحول الغنى إلى مأساة.

في السويداء، وقع الاصطدام، وتاهت البوصلة الوطنية السورية. سقط ضحايا من الطرفين، من أبناء جبل الدروز، والقبائل العربية، على رغم أنهما عاشا معاً مئات السنين في الأرض نفسها، ودائماً ما كان جبل الدروز مدافعاً عن سوريا بالكامل، ضد الغزاة والاستعمار، والتاريخ شاهد حي على دور سلطان باشا الأطرش، وكذلك القبائل العربية التي كانت حصناً منيعاً للهوية والثقافة العربيتين على مدى قرون طويلة. والوطن السوري هو الجامع الكبير.

هل يعقل هذا؟ ترتفع البنادق في وجوه إخوة الدم والوطن، إنه لأمر مقلق وخطير.

على السوريين بشتى أعراقهم وطوائفهم، أن يدركوا أن هناك قوى دولية ترنو إلى سوريا الحالية، كأنها غنيمة حرب، بعضها يريد السيطرة عليها، والبعض الآخر يرغب في تمزيقها بحرب أهلية مفتوحة.

سوريا لم تكن بلداً على هامش التاريخ، ولا فائضاً عن الجغرافيا، بل كانت في قلب الحضارات القديمة الحية، من حضارة أوغاريت، وتدمر، إلى دمشق أقدم مدن العالم المستمرة منذ اثني عشر ألف سنة، دائماً كانت سوريا حاضرة في صناعة العقائد والأديان والأفكار، ومعبراً مفتوحاً للثقافات العالمية.

من ينظر إلى سجلات التاريخ يتوقف أمام محطات صاغت وجدان البشرية بالكامل، ومن دون أن نخوض في التاريخ، فإن كل الحركات السياسية والثقافية، والاجتماعية الحديثة، خرجت من بلاد الشام مع نهاية القرن التاسع عشر، وبصمات سوريا محفورة في كل المدن العربية التي نهضت مع بداية القرن العشرين.

إذا نظرنا إلى الأثر الثقافي السوري على مستوى العالم، فسنجد الشعراء، والكتاب، والروائيين، ورجال الأعمال، جميعاً ينتمون إلى طوائف وأعراق شتى، منهم الدرزي، والعلوي، والمسيحي، والإسماعيلي، والكردي، والسني، والإيزيدي، والآشوري، أعراق وأديان شتى، لكنها أحفاد وطن واحد.

إن ما جرى في السويداء يوم 13 يوليو (تموز) 2025، إنما يمثل إشارة واختباراً قاسياً للتعايش بين أفراد البلد الحضاري الواحد، أعترف أن هناك تاريخياً مماحكات كالتي تجري في جميع أنحاء العالم، مناطقياً وجهوياً، لكنها لا ترقى إلى حمل السلاح بين الإخوة والأشقاء، فقد سقط على مدى ثلاثة أيام ضحايا، يربو عددهم على المئات، وحدث تهجير قسري، وهروب من المناطق التي وقعت فيها الأحداث، وصل إلى الآلاف، حسب تقارير الأمم المتحدة. والأخطر هنا أن إسرائيل تجاوزت جميع الخطوط الحمر، واستغلت الأحداث السورية - السورية، واعتدت على المؤسسات الاستراتيجية للدولة السورية، في محاولة لتفكيك الدولة السورية طائفياً، واستكمال مشروعها التوسعي في الجنوب السوري، بهدف صناعة ممرات تشق الأراضي السورية، إلى أبعد نقطة تصل إليها أحلام إسرائيل، كممر داوود الاقتصادي، وممر صوفا 53 العسكري، والاقتراب من خرائط إسرائيل التوراتية.

وبحق ردت الدولة السورية على هذا المخطط، بأنها لن تسمح بالتقسيم على أساس طائفي، فليس خافياً أن الولايات المتحدة الأميركية تحركت لوقف العدوان الإسرائيلي، وكذلك تحركت دول عربية على عجل، إدراكاً منها أن إسرائيل تخلط الأوراق، وتريد أن تضع سوريا في مأزق وجودي، ينعكس على خرائط المنطقة بالكامل، بل إن إسرائيل تريد خلق قضية مزمنة جديدة، تستقطع بها الوقت لتنفيذ مخططاتها الخطيرة، فهي تستخدم فلسفة التجريب في تركيبة اجتماعية حساسة، مثل الحالة السورية المتعددة، والمختلفة والمتفردة.

وسط هذه الأمواج الدموية، والقلاقل المستقبلية التي تحاك للشعب السوري، فإن ثمة سؤالاً يطرح نفسه: كيف يمكن إنقاذ سوريا من هذا الاختبار القاسي الذي قد يفضي إلى تلاشي وجود الدولة والأمة السورية؟

حقيقة أتذكر مقولة الرئيس السادات حين قال: «ارفعوا أيديكم عن لبنان»، ولعلى هنا أقول بكل ثقة: «ارفعوا أيديكم عن سوريا»، فسوريا الممزقة أخطر على الإقليم العربي والعالم من سوريا الدولة الوطنية لكل الأبناء، ولذا ألمح فرصة للتعامل مع هذا الاختبار القاسي، إذ يتطلب حكمة وسياسة رشيدة، وتحركات سريعة، من جميع الأطراف المنغمسة في الشأن السوري، داخلياً وخارجياً، فسوريا المستقرة علامة على حيوية التاريخ وقوة الجغرافيا، فلا تتركوها فريسة للعبة الأمم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

سوريا الاختبار القاسي سوريا الاختبار القاسي



GMT 11:04 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

الاعتذار وموجباته

GMT 11:03 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

سعيد السريحي وتلك الأيام

GMT 11:02 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

نظام العالم الغربي: زمان التخلّي

GMT 11:01 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

التّعافي الممنوع

GMT 11:00 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

إيران: التشبث بالسلطة بأي ثمن

GMT 10:59 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 بين جيلين

GMT 10:57 2026 الجمعة ,13 شباط / فبراير

التوابع.. والزوابع

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم

GMT 10:14 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

ترشيح مصطفى شعبان لتجسيد خالد بن الوليد لرمضان 2020

GMT 00:14 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

نايل دراما تبحث في حقوق عرض المسلسلات على شاشتها

GMT 23:29 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

براءة ريهام سعيد من تهمة إهانة مرضي السمنة

GMT 19:55 2019 الثلاثاء ,22 تشرين الأول / أكتوبر

"الرئاسة" تكشف عن حقيقة وفاة الرئيس اللبناني ميشال عون

GMT 06:10 2019 الأربعاء ,18 أيلول / سبتمبر

أول تعليق من يورغن كلوب عقب الخسارة من "نابولي"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt