توقيت القاهرة المحلي 00:02:34 آخر تحديث
  مصر اليوم -

«أرض الصومال»... بروفة الخطر

  مصر اليوم -

«أرض الصومال» بروفة الخطر

بقلم:جمال الكشكي

«أرض الصومال» بيدق جديد في لعبة الخطر الدولي، حين أعلن بنيامين نتنياهو، رئيس الوزراء الإسرائيلي، عن اعتراف تل أبيب باستقلال أرض الصومال، كدولة عن الوطن الأم، الصومال، كان ذلك إشارة حمراء تكسر مفهوم الدولة الوطنية، وتغرس بذور الانفصال دون كلفة، وتوزع الكيانات المختلقة، والموازية على جغرافيا واسعة، لا تبدأ بأفريقيا وحدها، لكن قد تشمل كل دول العالم، إذا ما أتيحت الفرصة، أو الرغبة أو تهيأت الظروف، أو حتى تم اختلاقها، هنا يتلاشى القانون الدولي، وتتلاشى معه سيادة الدول، وكأنها استعادة الاستعمار مرة أخرى، لكن دون فواتير باهظة، إنها لعبة الأمم الجديدة.

تعالوا بنا إلى قراءة سيرة أرض الصومال، المأساة بدأت منذ وقت طويل، ما قبل استقلال الصومال ذاتها، عام 1960، حين قسم البريطانيون، والإيطاليون الأراضي الصومالية بينهما، شمالاً وجنوباً، وسيطر كل طرف على جانب من هذه الأرض، فخلق ذلك تناقضاً بين أبناء الشعب الواحد، ورأت أرض الصومال أثناء حكم الاستقلال، أنها مهمشة من المركز، وسعت إلى التوتر مع السلطة الوطنية الصومالية، بزعامة محمد سياد بري، وتصاعدت في نهاية الثمانينيات، إلى ما يشبه حرباً أهلية، حتى سقطت السلطة نفسها عام 1991، ضمن سياق سقوط وانهيار الاتحاد السوفياتي، الذي كان آنذاك حليفاً لها.

منذ ذلك الوقت تحولت الصومال إلى «كانتونات»، وإلى أرض جاذبة للتنظيمات المتطرفة، ومكان آمن للقراصنة، مما دعا القوى الدولية إلى التدخل أكثر من مرة، عن حق، أو عن باطل، في هذا البلد العربي - الأفريقي المهم.

وكان أبرز هذه التدخلات تلك العملية الأميركية التي قادها الرئيس الأميركي الأسبق، بيل كلينتون، وأطلق عليها عملية الأمل، التي انتهت بخسارة فادحة للجنود الأميركيين، على نحو ما نعرف من هذه العملية الفاشلة.

ومنذ ذلك الوقت تُرك الصومال لمصير غامض، وعندما أعلن إقليم «أرض الصومال»، الانفصال عام 1991، لم تعترف به العاصمة الصومالية، مقديشو، ولا أي حكومة تعاقبت في الصومال، ولم تعترف به أي دولة، لكن إثيوبيا، بهدف الإطلالة على البحر، ونحن كما نعرف أن إثيوبيا وقعت معه معاهدة لتسليم المجرمين، ومذكرة تفاهم في يناير (كانون الثاني) 2024، تمنح إثيوبيا التي صارت دولة حبيسة بعد انفصال إريتريا عنها، الوصول للبحر الأحمر، عبر ميناء بربرة، مقابل الاعتراف بأرض الصومال.

جاء نتنياهو من بعيد، ليكشف عن «بروفة الخطر»، ليس فقط على الصومال، إنما أولاً على القرن الأفريقي، والدول المطلة على البحر الأحمر، وكذلك على أفريقيا ذاتها، فكل دولة أفريقية لديها اختلالات بنيوية عميقة في تكوين المجتمعات، ناتجة عن سنوات الاستعمار المختلف، وبالتالي يمكن أن تتقدم أي «أرض»، بطلب للاستقلال بذريعة أو أخرى، فتتفكك الدول والمجتمعات، في لحظة تتربص فيها قوى عظمى باحثة عن الثروات، والمعادن النادرة، والسيطرة على الممرات الحساسة، ومنها مسألة «أرض الصومال» القريبة من باب المندب، والبحر الأحمر الذي يمر به 12 في المائة من التجارة العالمية، وقد يصبح القرن الأفريقي ودوله في مهب الريح، فاستقلال أرض الصومال، يعني تدخلاً دولياً غير قانوني بذريعة الاستثمار في الموانئ، أو حمايتها، أو حماية الممرات، مما يضعف سيادة دول القرن الأفريقي، بل يصل الأمر إلى تمزيقها وتحويلها إلى مجرد كيانات هشة.

الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال»، يفتح أعيننا على هذه البروفة الخطيرة، والبروفات الأخطر التي تخرج الآن من الأدراج، في لحظة تذكرنا بما كتبه العقيد الأميركي رالف بيترز في المجلة العسكرية الأميركية، عن خرائط الدم عام 2006، حين رأى أن دول ما بعد الاستقلال من الاستعمار، تحتاج إلى إعادة ترتيب جديد، يقوم على دول وكيانات صغيرة، عرقية ودينية وطائفية، لكن أرض الصومال تختلف هنا عن رؤية رالف بيترز، فالتقسيم هنا يقوم على الاعتراف الدبلوماسي، من قوى عالمية، والاستثمار والاقتصاد، وهذا أخطر مما طرحه بيترز، لا سيما أنه يعتمد على سياسة الأمر الواقع، والضغط الناعم، بالتمرير على الدول الرافضة، مما يشكل زلزالاً لمفهوم الدولة الوطنية، ولمفهوم النظام الدولي القائم على القواعد، فثمة أكثر من خمسين دولة أفريقية، باتت لوحة تنشين لمثل ذريعة «أرض الصومال».

لكن تبقى هذه الأرض أخطر من أي مكان آخر، لجغرافيتها الحساسة، على «المخنق» الاستراتيجي المهم (باب المندب)، الذي تتطاير سهامه في أكثر من اتجاه، وقد يستدعى تدخل الأساطيل العالمية، في حالة حدوث أي عائق، يمنع سيولة التجارة العالمية في هذا الممر الحساس.

الصورة الآن في القرن الأفريقي، وما يدور خلف كواليس المختبرات، تدفعنا إلى ضرورة العمل على حماية البحر الأحمر، وممراته من قبل كل الدول المشاطئة له، وتمكين الصومال «الدولة الأم»، من استعادة كل أقاليمه ضمن دولة وطنية مركزية واحدة، لها رأس واحد، وقرار واحد، وقطع الطريق أمام «بروفة الخطر»، وكل البروفات المشابهة التي توجد الآن في مخازن المغامرين.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

«أرض الصومال» بروفة الخطر «أرض الصومال» بروفة الخطر



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 11:15 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt