توقيت القاهرة المحلي 02:31:31 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مستقبل التنمية بين إنكار ونكران

  مصر اليوم -

مستقبل التنمية بين إنكار ونكران

بقلم: د. محمود محيي الدين

قمتان سنويتان قريبتا الانعقاد، من المبالغة القول بأنهما مرتقبتان إلا من دوائرهما القريبة، وكذلك ممن ما زالت آمالهم متعلقة بما قد تسفر عنه مثل هذه الاجتماعات الرفيعة المستوى في الحضور للتصدي لتحديات البشرية وتعزيز فرص النمو والتنمية. القمة الأولى ستعقد في البرازيل بداية من العاشر من الشهر الحالي، وهي الثلاثون من قمم المناخ المتعاقبة منذ قمة برلين التي انعقدت في 1995. والقمة الأخرى ستستضيفها جنوب أفريقيا لمجموعة العشرين، في 22 الشهر الحالي، وهي تعقد أيضاً سنوياً بانتظام منذ الأزمة المالية العالمية في 2008.

وقد أصاب هذه القمم مؤخراً ما أصاب العمل الدولي المتعدد الأطراف من وهن، وصار مجرد انعقادها في حسبان البعض جديراً بالتنويه، وإن لم تسفر عن إنجاز يذكر وبعدت نتائجها عن مقاصدها. وكان من أفضل القمم مؤخراً ما جرى وصفه بأنه أفضل من المتوقع وأقل من المأمول. ولا أعتقد، باعتبار ما صدر عن اجتماعات تمهيدية وتحضيرية، بأن القمتين القادمتين ستكونان أفضل حالاً رغم جهد المنظمين والمستضيفين.

فالعالم يعاني أربع علات منغصة بلا حلول ناجعة في الأفق لغياب الإرادة السياسية الإصلاحية التوجه، رغم توفر الإمكانات:

العلة الأولى: تشابك معضلات زيادة مديونية البلدان المتقدمة، وارتفاع تكاليف خدمة الديون البلدان النامية، وتسارع أثر المربكات التكنولوجية، مع تأجج الحروب الاقتصادية، واحتدام الصراعات الجيوسياسية. ربما تعجَّل البعض فراجعوا تقديراتهم إيجابياً بعد الاجتماع الأخير بين رئيسي الصين والولايات المتحدة الأميركية، وما جرى الاتفاق عليه بشأن التعريفة الجمركية، والمعادن الحرجة، والفينتانيل، ولكن الأسواق اعتبرتها مهدئات غير حاسمة تحتاج إلى إجراءات أعمق لتيسير العلاقات بين أكبر اقتصادين، وتتطلب الصمود ليختبر الزمن مصداقيتها. فعمق التباين في المصالح والتوجهات المستقبلية بين البلدين أكبر مما تم تناوله في الاجتماع الأخير، الذي جرى على هامش اجتماعات التعاون الاقتصادي الآسيوي الباسيفيكي في كوريا.

العلة الثانية: تراجع التمويل الدولي الميسَّر بسبب إلغاء المساعدات الإنمائية من دول كالولايات المتحدة، بلا رجعة قريبة، وتخفيض جسيم لها من دول أوروبية بسبب ضيق حيز التمويل وتغليب الإنفاق على الدفاع. فضلاً عن تراجع القدرة التمويلية للمؤسسات المالية التنموية، بخاصة مع تحجيم فرصها لزيادة رؤوس أموالها، لاعتبارات سياسية بالأساس، ترفض الاعتراف باختلاف عالم اليوم عن ظروف نشأة هذه المؤسسات وتطورها بعد الحرب العالمية الثانية، والدور الاقتصادي الأكبر لبلدان عالم الجنوب.

العلة الثالثة: زيادة تكلفة التمويل للبلدان النامية، التي لا يمكن تبريرها بالمخاطر الفعلية المحسوبة للائتمان والاستثمار. وهو ما أكدته قاعدة بيانات مخاطر الأسواق الناشئة الصادرة عن مجموعة المؤسسات المالية الدولية، وتشمل تفصيلاً لحالات التخلف عن السداد على مدار ثلاثين سنة. وتؤكد أن فرص التمويل للمشاريع تتيح مجالات للمستثمرين باعتباراتهم عن المخاطر والعائد، ولكنها لا تترجم للواقع بسبب تحيزات مسبقة، وتصورات غير واقعية مبالَغ فيها.

العلة الرابعة: والتي يتجلى فيها كسابقاتها حالة إنكار الواقع، فضلاً عن نكران التعهدات بالنكوص عنها فهي تداعيات تغيرات المناخ. وها هو تقرير الإسهامات المحددة وطنياً الصادر بمناسبة القمة الثلاثين يؤكد أن الانبعاثات الضارة بالمناخ من 64 دولة ستنخفض بمقدار 17 في المائة منذ عام 2019. ولكن الدول المسؤولة عن ثلثي الانبعاثات لم تقدم تقاريرها، كما أن المستهدف من تخفيض للانبعاثات حتى 2035 يشير إلى تراجع بمقدار 6 في المائة فقط. وأصبح من المقدر أن هدف السيطرة على الانبعاثات لمنع زيادة احترار الأرض بأعلى من 1.5 درجة وفقاً لاتفاق باريس لعام 2015.

ويبدو أن التعايش والتكيف مع عالم أكثر سخونة في بقاعه هو التوجه الأكبر احتمالاً. وقد أثار مؤسس «مايكروسوفت»، وبعدها أكبر منظمة خيرية للعمل الطوعي بيل غيتس جدلاً بما أشار إليه من أن تغير المناخ خطير جداً ولكنه لا يشكل خطراً وجودياً. وأنه لا يمكن، في ضوء تراجع المساعدات الإنمائية من البلدان المتقدمة، تخفيض التمويل الموجه للصحة، كعلاج الملاريا، والتنمية عموماً من أجل تخفيض الانبعاثات الضارة في الأجل القصير، بخاصة مع زيادة الطلب على الطاقة لأكثر من الضعف مع حلول عام 2050.

ورغم أن غيتس يراهن على الأثر الإيجابي للتكنولوجيا والابتكار التي أسهمت في تخفيض الانبعاثات المقدرة بنحو 40 في المائة خلال السنوات العشر الماضية بفعل كفاءة الطاقة الجديدة والمتجددة، فإن هذا يحتاج إلى اطراد في التطور واستمرار في التحفيز والتمويل وهو ما يواجه تحديات. وفي حين نجد توسعاً في هذا التوجه في الصين وآسيا، فإن تخفيض الدعم على إنتاج السيارات الكهربائية ومكوناتها سيسفر عن انخفاض حاد لمبيعاتها في السوق الأميركية، وفقاً لتوقعات شركة «جنرال موتورز».

إن عالماً أكثر احتراراً سيسفر عن معوقات حرجة للتنمية والصحة. وفي تقرير أخير بصحيفة «الفاينانشال تايمز» عن ارتفاع الحرارة والصحة الإنجابية يشير إلى تزايد مشكلات الإنجاب للحوامل كواحدة من الطوارئ الصحية العامة. وذلك وفقاً لمائتي دراسة تثبت تدهور الأوضاع الصحية للحوامل وحديثي الولادة بخاصة على الشرائح الأفقر، وفي البلدان المتوسطة والمنخفضة الدخل بزيادة في حالات تعرضها للمخاطر بمقدار 50 في المائة عن البلدان الأعلى دخلاً.

ولا يوجد بديل عملي إلا بما اتُفق عليه في قمة شرم الشيخ للمناخ من تحول عادل للطاقة، مع تمويل أولويات التكيف وخاصة فيما يتعلق بالمياه والزراعة، وحماية مواطن العيش والسكن والعمل، والصحة. فلا خلاف بين العمل المناخي المنضبط والتنمية المستدامة إلا بما يختلقه البعض وفقاً لأغراضهم.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مستقبل التنمية بين إنكار ونكران مستقبل التنمية بين إنكار ونكران



GMT 14:55 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

دول الخليج العربية والنخب الصامتة

GMT 14:54 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الحرب التي لا تنتهي!

GMT 07:08 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 07:05 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 07:03 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

مشيتُ في جنازة دولةٍ عظمى!

GMT 07:01 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

نذر تقلص وقود المواصلات

GMT 07:00 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

أميركا وأوروبا... شراكة القلق

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 11:52 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

دعاء المطر والرزق السريع

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 09:29 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج الميزان

GMT 09:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:43 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

برج الثور عليك أن تعمل بدقة وجدية لتحمي نفسك

GMT 23:03 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

قواعد وإتيكيت إهداء الورود في المناسبات

GMT 03:25 2022 الجمعة ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

أفضل فنادق لقضاء شهر العسل

GMT 11:51 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

إيهما الأهم القيادة أم القائد ؟
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt