توقيت القاهرة المحلي 09:06:06 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن مفاسد الاستدانة وفتات العون الإنمائي

  مصر اليوم -

عن مفاسد الاستدانة وفتات العون الإنمائي

بقلم: د. محمود محيي الدين

صدر قبل أيام التقرير السنوي للبنك الدولي عن الديون الدولية، فأكد استمرار أخطر ما يواجه محاولات التنمية، وهو نضوب مصادر التمويل الخارجي إلا قليلاً، واستنزاف مصادر التمويل المحلي لخدمة الديون المتراكمة. فبعد ارتفاع أسعار الفائدة لأعلى مستوى لها في 20 عاماً، أنفقت البلدان النامية 1.4 تريليون دولار في خدمة الديون، كان منها ما يزيد على 400 مليار دولار من تكاليف الفوائد التي ارتفعت بمقدار الثُّلث. وفي هذه الأثناء تحولت التدفقات المالية من مقرضي القطاع الخاص إلى أرقام سلبية؛ إذ سحب دائنو القطاع الخاص من البلدان النامية تمويلاً فاق ما قدموه لها بمقدار 141 مليار دولار منذ عام 2022.

وبعد ما أمسى الاقتراض من الأسواق الدولية عسيراً على كثير من البلدان النامية لارتفاع أعبائه، لم يعد لها سبيل إلا المؤسسات التنموية الدولية التي منحتها مجتمعة 85 مليار دولار. قد يلبي هذا بعض الاحتياجات العاجلة، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أهداف التنمية الحرجة في البلدان الأفقر والأقل دخلاً، ولكنه غير كافٍ بحال للبلدان المتوسطة الدخل. كما لا تحظى الدول المتوسطة الدخل بشروط تفضيلية للاقتراض من المؤسسات التنموية، كما تصطدم بأسقف للتمويل لا يمكن تجاوزها من هذه المؤسسات التي صارت المحدودية النسبية لرؤوس أموالها المدفوعة، وخشيتها من فقدان تصنيفها الائتماني المتميز، موانع لها من تقديم تمويل أكبر للبلدان المتوسطة الدخل.

وتجد اليوم بلداناً نامية بين مقترض متعسر أعلن تعثره عن سداد الديون المستحقة، ومقترض يتحاشى التخلف عن سداد الديون بالتخلف في التعليم والرعاية الصحية ومجالات الاستثمار الأساسية للتنمية. فعندما تتجاوز خدمة الدَّين نصف الموازنات العامة، على النحو المشهود في بعض البلدان الأفريقية، فمن أين لها تمويل التنمية، وإن أُعدت بشأنها استراتيجيات مطولة؟ فبغير التمويل تنتهي استراتيجيات التنمية إلى ذكريات مؤلمة لطموحات تحطمت على صخور واقع غابت عنه أولويات، وطغى عليه سوء إدارة الموارد، وافتراضات سخية في حسن ظنها في تدفقات مُيسَّرة للتمويل الدولي.

والأدلة المحققة من تقارير تمويل التنمية، أن عهد المساعدات الإنمائية الدولية الذي شهد تغيرات منذ بداياته بعد الحرب العالمية الثانية، قد أوشك على المغيب. فقد تدفقت هذه المساعدات، جزئياً وضمنياً، كنوع من التعويض الرمزي عن النهب الاستعماري لثروات الأمم المستعمَرة لعهود طال أمدها. ومن العجب أن أناساً في دوائر اتخاذ القرار يرددون عبارات عن عالم شديد التغير، والصراعات الجيوسياسية، ثم يدهشك اندهاشهم من تراجع التمويل الدولي المُيَسَّر، وصعوبة إقناع مصادره التقليدية بتعهدات جديدة، وتكرار النكوص عن التعهدات.

ليست هذه دعوة للتخلي عن بذل الجهود الواجبة لحشد التمويل الدولي من كافة مصادره، فهناك حجج مقنعة بمنافعه المتبادلة، إذا أحسن كل طرف الاستفادة منها في إطار المشاركات الدولية. ولكنها دعوة لدراسة الواقع الدولي الجديد بتغير أوزانه الاقتصادية وتوجهاته السياسية.

كما أن الأمر يتطلب علاجاً لتفاقم الأزمة الراهنة الصامتة للمديونية الدولية، بخاصة مع تغير طوائف الدائنين الحاليين عما كان عليه الوضع من قبل، ولتنظر مثلاً في نسبة دائني نادي باريس اليوم التي لا تتجاوز 10 في المائة من المديونية الدولية، مقابل وزنهم النسبي الذي بلغ 40 في المائة عند بداية القرن. فهل يتسنى التعامل مع الدائنين الجدد بقواعد التعامل مع القدامى؟

والأجدى مما سبق أن تُراجع جذور أزمة المديونية الدولية. ففي حين رسخت أهداف التنمية المستدامة لإطار مرجعي للتطور الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والحوكمة، فقد تركت الباب مُتَّسِعاً لكل دولة، كما ينبغي لها، لتبني نموذج النمو المناسب لها. فهناك بلدان تبنَّت نموذجاً للنمو المتوازن الشامل للكافة باستثمارات في البشر والبُنى الأساسية والتكنولوجية والبيئية، بتمويل يعتمد على تعبئة المدخرات والموارد المحلية وريادة القطاع الخاص، فنجَتْ من فخاخ الاستدانة. وهناك بلدان اختارت طريقاً اختلفت أولوياته، وكان الاعتماد فيها على مشاريع ذات توجه داخلي تتولاها بيروقراطيات الدولة وتمولها بقروض محلية أو خارجية، فجَنَتْ عواقب ما اختارت.

مع الإعداد للمؤتمر الرابع لتمويل التنمية الذي سيعقد بإسبانيا في يونيو (حزيران) 2025، اقترحت للنقاش ملامح تتناول مسألة الديون والاستدامة المالية. وهي ترتكز على 4 قواعد:

1- معايير منع أزمات قادمة للمديونية بقواعد للاقتراض الحصيف والإقراض المنضبط.

2- اقتراحات لمرونة الحيِّز المالي العام للدولة، للاستثمار في مسارات تحقيق أهداف التنمية المستدامة.

3- إصلاح البناء المالي العالمي، بما يحقق سرعة تسوية الديون العامة المتعثرة، وسرعة عودة الاقتصاد لمسار التنمية.

4- مراجعة منهج التحقق لسلامة الديون للبلدان النامية المنخفضة والمتوسطة الدخل، بما يعكس أولويات الإنفاق على مجالات التنمية المستدامة، ويُدخل مخاطر تغيرات المناخ والطبيعة في الاعتبار، ويميز بين الاستثمار والإنفاق الاستهلاكي، ويفرق بين مشكلات السيولة العارضة والمخاطر المؤدية إلى التعثر والتخلف عن السداد.

ربما أشار البعض لحلول تستند إلى مبادرات صدرت من مجموعة العشرين وغيرها لتسوية الديون، وربما اختصت بعض المبادرات ببلدان أفقر وأكثر عرضة للتقلبات، وقد يتبنى البعض الآخر نماذج تحتفي بالابتكار المالي وإجراءات المبادلة؛ فلا بأس من النظر في مناسبتها حالة بحالة. ولكن هناك حلقات مهمة ما زالت مفقودة عملياً، مثل مواجهة أزمات ديون البلدان المتوسطة الدخل، وكذلك التعامل مع الدائنين الرسميين الجدد، ومقرضي القطاع الخاص، وحالات الإفراط في الاستدانة المحلية. وفي هذه المجالات بدائل متطورة، آن وقت طرحها للتطبيق.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن مفاسد الاستدانة وفتات العون الإنمائي عن مفاسد الاستدانة وفتات العون الإنمائي



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt