توقيت القاهرة المحلي 04:15:58 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هذا العالم... «مرة أخرى»

  مصر اليوم -

هذا العالم «مرة أخرى»

بقلم: د. محمود محيي الدين

من لم يقرأ إعلان وفاة «النظام» العالمي، الموروث ممَّا خلفته الحرب العالمية الثانية عن عمر ناهز 80 عاماً، في مقالي السابق فليطلع على النَّعي الصَّادر للنظام الراحل في «دافوس 2026». وكانَ من أبرز النعاة مارك كارني، رئيس وزراء كندا، الذي حشد خبرته كاقتصادي حاذق لحصر مكتسبات بلده من النظام الراحل كإحدى البلدان المتقدمة.

فقد نعمت هذه البلدان بما يُطلق عليه «النظام الدولي المبني على قواعد»، فشاركت في مؤسساته المتعددة الأطراف وساندت مبادئها وتمتعت بما وفرته من حماية لمصالحها السياسية والاقتصادية. لم يمنع ذلك كارني من الإقرار بأن قصة النظام المنقضي، التي وصفها بالجميلة، كانت معيبة جزئياً. فالأقوياء استطاعوا استثناء أنفسهم من القواعد كلما رأوا ذلك أكثر راحة لهم. كما أن القواعد كانت تطبق بانتقائية، على خلفية من هو الجاني ومن الضحية.

على الرغم من إدراك مثالب النظام، إذا صح وصفه بالنظام أصلاً، فقد كان له قبول على علّاته، ومن أهمها الهيمنة الأميركية، فيما يشبه الصفقة المانعة للوقوع في «لحظة» من لحظات كيندلبرغر. وهي تنسب للاقتصادي الأميركي تشارلز كيندلبرغر، أحد مهندسي «مشروع مارشال» الشهير لإعادة إعمار أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية؛ إذ أكد أن الانتعاش المرجو للاقتصاد العالمي يتطلب قيادة تضمن استقراراً أمنياً. وبالتالي، فلحظة كيندلبرغر هي تلك التي تفشل فيها القوة المهيمنة في توفير المنافع العامة للنظام الدولي كالأمن المشترك وفض المنازعات، وتأمين مسارات التجارة، وتحقيق الاستقرار المالي، والتعامل مع أزماته. فهذه الصفقة كانت لها مزاياها الموصوفة، ولكنها تعطلت مع تمزق أوصال النظام. فحلَّت بالعالم صدمات ومربكات منذ الأزمة المالية العالمية، وبعدها الجائحة، وتزايدت المخاطر الجيوسياسية، وتدهور المناخ، وعادت الحمائية التجارية، وتعقدت سبل الاستثمارات وتسوية المعاملات النقدية بعد تسييسها وتسليحها.

فإذا كان سقوط النظام القديم مما يُرثى له في نظر كبار منتفعيه مثل كندا، فالمستضعفون سيعتبرونه مما لا يُرثى له بحال. وكيف لهم رثاؤه ومستويات معيشتهم في تدنٍ واقتصاداتهم في تباعد عن قاطفي ثمار النظام الدانية والبعيدة معاً. ولتطلع على ما ينبئك به تقرير البنك الدولي عن الآفاق الاقتصادية العالمية؛ فالأداء لا يساند تحقيق أهداف التنمية المستدامة التي ستصل خط نهايتها مع حلول عام 2030. فمنذ عام 2020، تراجعت متوسطات معدلات النمو بما لا يسمح بتخفيض مستويات الفقر، أو زيادة الفرص للباحثين عن عمل. ومعدلات النمو المتدنية الحالية، لن تفلح في تخفيض الفقر، على عكس ما حدث من انتشال لما يقترب من مليار إنسان من هوة الفقر المدقع في مرحلة النمو المرتفع.

وينسب البنك الدولي أكثر من نصف معدلات النمو المتحققة في متوسطات الدخول منذ الجائحة في عام 2019، والتي تبلغ زيادتها 10 في المائة، إلى أداء الدول الأغنى. وبنهاية عام 2026 سيكون متوسط دخل الفرد في البلدان النامية نحو 6500 دولار، بما يعادل 12 في المائة فقط من متوسط الدخل في البلدان الأعلى دخلاً، بينما متوسط دخل الفرد في البلدان الأقل دخلاً، الذي يبلغ 700 دولار، لن يتجاوز 1 في المائة من متوسطات الدخل في البلدان المتقدمة.

لا شك أنه قد دار بخاطر المستمعين إلى حديث كارني من قادة عالم الجنوب كلمات ترددها بعض الأغاني العربية من نوع «أخيراً قالها»، أو «فات الميعاد». أخيراً قالها إذن، ليس أي شاهد من البلدان الغنية، بل ممثل كندا أحد الفاعلين في مجموعة السبع الكبرى، وليس مجموعة الـ77 الممثلة للبلدان النامية، بأن النظام المنقضي سقط لأنه افتقد العدالة وكفاءة؛ وهي من الشكاوى القديمة للدول الأفقر. فلطالما اشتكت بلدان الجنوب، ولعشرات السنين، من افتقاد التوازن في المعاملات وخطورة الكيل بمكيالين، فجاءتها الردود من سدنة النظام المنصرم بتعدد في المكاييل والمزيد من تعقيدها.

لقد عجَّل الرئيس الأميركي دونالد ترمب بنهاية نظام، بدأ في السقوط، في تقديري، بعد الأزمة المالية العالمية في عام 2008 وتداعياتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية لما يقترب من عقدين. فلم يؤسس ترمب لحمائية قديمة أو جديدة. ولكن أساليب المربكات الترمبية تجعل أميركا اليوم أكثر وضوحاً، فرئيسها يُظهر ما كان يبطنه آخرون؛ فلتتابع حالة فنزويلا وأن الغرض منها هو النفط وليس الديمقراطية أو بناء الأمم، أو شعارات غيرها غلفت بها كوارث تدخّل وعدوان سابقة. كما هو يُظهر بأسلوب الصفقات أكثر مما يبطن في أحوال كثيرة، ولتتابع حالة غرينلاند، فهو لم يحتلها ولم يغرم غرماءه الأوروبيين المعادين لمنهجه بشأنها بتعريفة عقابية، ولكن صار له ما أراد من سيطرة.

مع سقوط «النظام» الدولي تلوح فرص كبرى للقوى الصاعدة وليس الوسطى فقط، على النحو الذي ناقشته في مقال بعنوان «فن الممكن وفرص القوى الصاعدة» نشرته هذه الصحيفة الغراء في شهر مارس (آذار) الماضي. وهذه الفرص تكمن في التجمعات الإقليمية الجديدة على طريقة تجمع «آسيان»، بأن تستشعر دول الجوار أنه لا قيام لها إلا معاً كجمع متسق، يلتزم بمعايير منضبطة، لا استثناءات فيها، للعدالة والأمن وتيسير المعاملات وتسوية المنازعات، ويتحرك كجسد واحد في تعاون دولي متكافئ الفرص مع الجديرين به من خارج التجمع. كما تكمن هذه الفرص بإتقان فن الممكن لتوطيد الأركان لدولة قوية بسياسات مرنة. كما لن يستقيم شأن هذا التجمع إلا بتوطين التنمية من أجل عموم الناس. فمن هنا نبدأ في عالم شديد التغير.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هذا العالم «مرة أخرى» هذا العالم «مرة أخرى»



GMT 14:55 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

دول الخليج العربية والنخب الصامتة

GMT 14:54 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الحرب التي لا تنتهي!

GMT 07:08 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 07:05 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 07:03 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

مشيتُ في جنازة دولةٍ عظمى!

GMT 07:01 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

نذر تقلص وقود المواصلات

GMT 07:00 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

أميركا وأوروبا... شراكة القلق

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 11:52 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

دعاء المطر والرزق السريع

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 09:29 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج الميزان

GMT 09:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:43 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

برج الثور عليك أن تعمل بدقة وجدية لتحمي نفسك

GMT 23:03 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

قواعد وإتيكيت إهداء الورود في المناسبات

GMT 03:25 2022 الجمعة ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

أفضل فنادق لقضاء شهر العسل

GMT 11:51 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

إيهما الأهم القيادة أم القائد ؟
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt