توقيت القاهرة المحلي 04:15:58 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن عملات مستقرة وغير مستقرة

  مصر اليوم -

عن عملات مستقرة وغير مستقرة

بقلم: د. محمود محيي الدين

بدافع الرغبة في استمرار الهيمنة على سوق العملات الصعبة، ذكَّرتنا شبكة «رويترز» الإخبارية منذ أيام ببعض مبررات الإدارة الأميركية الحالية بمساندة إصدار ما يعرف بالعملات المستقرة. حيث أوضح ديفيد ساكس المكلف شؤون الذكاء الاصطناعي والمشفرات بالبيت الأبيض، بعد أيام من تولي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مقاليد الحكم، أن الدعم المطلق للعملات المستقرة -المساندة بالكامل بالدولار - «من شأنه تأكيد سيطرة الدولار الأميركي دولياً، وزيادة استخدام الدولار رقمياً، ومن خلال ذلك سيوجد طلب على الدولار بما يعادل تريليونات من مشتريات أذون الخزانة والسندات الأميركية؛ ما من شأنه تخفيض أسعار الفائدة على الأجل الطويل». وسعت الإدارة الأميركية لإصدار التشريع المعروف الآن بقانون «جينيوس» بمعنى عبقري، وهو مختصر الحروف الأولى لتشريع هو الأول من نوعه للأصول الرقمية، والصادر في 17 يوليو (تموز) من هذا العام بعنوان «إرشاد وتأسيس الابتكار الوطني للعملات المستقرة الأميركية».

ومن المزايا الاقتصادية للعملات المستقرة انخفاض تكلفة المعاملات عبر الحدود، وسرعتها من دون الاعتماد على نظام السويفت، أو وسطاء نقل الأموال بتكاليفهم الباهظة وما يستغرقونه من وقت. ولكن، هناك مخاطر الدولرة من خلال هذه العملات المستقرة، حيث ستواجه البنوك المركزية رافداً جديداً للتدفقات المالية الأجنبية لا يخضع لسيطرتها، ويجعل إدارتها للسياسة النقدية أكثر صعوبة. كما أن هذه الأصول المالية المشفرة يمكن تداولها خارج القنوات المراقبة من البنوك المركزية.

فما بالنا وهذه العملات سيتم التوسع في إصدارها والطلب عليها، فكما يتنبأ ستيفن ميرين، العضو المعين مؤخراً من قِبل الرئيس ترمب في مجلس محافظي البنك الفيدرالي، بأن العملات المستقرة ستصل إلى ما بين تريليون و3 تريليونات دولار مع حلول عام 2030؛ ارتفاعاً من 300 مليار دولار في الوقت الراهن. هي أرقام لا يمكن تجاهلها بخاصة أن أغلب الاحتفاظ بها سيكون خارج الولايات المتحدة.

وتداول هذه العملات والاحتفاظ بها سيكون يسيراً عبر تكنولوجيا «سلسلة الكتل» أو البلوك تشين بحرية مطلقة بما يتجاوز نظم الدفع الوطنية وآليات تسوية المعاملات وقوانين سعر الصرف. وإذا لم تتنبه السلطات النقدية فستجد نظامها النقدي والمالي جزئياً ثم تدريجياً خارج نطاق سيطرتها، بما لا تجدي معه النظم المتقادمة لتقييد حركة رؤوس الأموال عبر الحدود معها نفعاً، بخاصة للبلدان التي عانت من الدولرة، لتراجع عملاتها المحلية في القيام بوظائفها في الاحتفاظ بقيمة النقود بسبب معدلات التضخم المرتفعة، وانخفاض الاعتماد عليها في حساب القيمة، وتسوية المعاملات.

فلطالما أكدت أن الخطوة الناجعة للتعامل مع العملات الصعبة بأنواعها، وكذلك أشكالها القديمة أو الجديدة، يجب أن تبدأ بألّا تكون العملة الوطنية سهلة في بلدان إصدارها أصلاً، فآفة العملات المحلية السهلة قد تفاقمت بالتوسع في الاستدانة، واشتعال التضخم ارتفاعاً وتراجع النمو بانخفاض الإنتاجية وتدهور التنافسية تشغيلاً واستثماراً وتصديراً.

وأعرف في المقابل العملة الصعبة، بغض النظر عن شكل إصدارها ورقياً كان أو رقمياً أو مشفراً بأنها عملة دولية التداول، لها قبول وقوة إبراء عبر الحدود. حقاً ارتفعت معدلات التضخم في الاقتصاد الأميركي بعد موجة التيسير النقدي، مع تخوف من وقوعه في ركود بسبب السياسات الاقتصادية غير التقليدية والحروب التجارية، وما أصاب سوق العمل من ضحالة بعد تقييد حركة العمالة الوافدة، وضعف الارتباط بين النمو الاقتصادي والتشغيل، رغم ذلك كله فالدولار ما زال مسيطراً على معاملات الاقتصاد العالمي لأكثر من سبعة عقود. فنحو 90 في المائة من معاملات النقد الأجنبي تتم بالدولار، وكذلك تسوية المعاملات التجارية بما يتجاوز 70 في المائة في آسيا و95 في المائة في الأميركتين، فضلاً عن أن 58 في المائة من احتياطات البنوك المركزية ممثلة في أصول مالية دولارية.

وفي مستقبل العملات المستقرة جدل تحسمه الإجابة عن أسئلة مهمة، لا شك أنها ستشغل اهتمام البنوك المركزية وعموم الناس:

- هل يصدق وصف العملة بالمستقرة من دون اعتبار للاستقرار في المدى الطويل للعملة المساندة لها؟

- ألا ينبغي التمييز بين العملات المستقرة المقومة بالدولار وفقاً لتوفر الضمانات المساندة؟ فمنها ما هو مضمون بالكامل، ومنها ما هو مضمون جزئياً ومنها المتداول بلا ضمان.

- ما هو مستقبل عملات البنوك المركزية الرقمية، وعلاقتها بالعملات المستقرة؟

- ما هي احتمالات نجاح البنك المركزي الأوروبي في رقمنة اليورو، وإمكانية توسعه النقدي دولياً باعتبار اليورو العملة الثانية دولياً للاحتياطي، رغم تراجع تنافسية اقتصاده وفقاً لتقرير ماريو دراجي الشهير الذي وصف فيه الاتحاد الأوروبي بأنه يواجه أزمة وجودية؟

- ما هي آفاق تدويل اليوان أو الرينمينبي الصيني، بخاصة بعد تطوير تكنولوجية رقمنته وتشفيره والتوسع في المشاركات الدولية الثنائية لاستخدامه؟

- ما هو تأثير التوسع في العملات المستقرة على ودائع البنوك؟

- وما هو الأثر على تحويلات العاملين بالخارج؟

- ما هو تأثير التوسع في العملات المستقرة على احتكار ريع الإصدار النقدي من قِبل البنوك المركزية؟

- ما هي الآليات المتاحة للبنوك المركزية في ظل هذه المستجدات لإدارة السياسة النقدية، والانضباط المالي، والتحكم في التدفقات المالية الدولية؟

قد يتغير وضع الدولار مستقبلاً ويزاح عن عرشه كما أزيح الجنيه الإسترليني والغيلدر الهولندي عن عرشيهما من قبل، ولكن في الوقت الراهن ما زالت هناك هذه الهيمنة الدولارية التي يراهن أنصار الدولار على أن وثبة تكنولوجيا العملات المستقرة ستعززها، بما يتطلب الإجابة عن هذه الأسئلة الحرجة في مقالات قادمة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن عملات مستقرة وغير مستقرة عن عملات مستقرة وغير مستقرة



GMT 14:55 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

دول الخليج العربية والنخب الصامتة

GMT 14:54 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الحرب التي لا تنتهي!

GMT 07:08 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 07:05 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 07:03 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

مشيتُ في جنازة دولةٍ عظمى!

GMT 07:01 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

نذر تقلص وقود المواصلات

GMT 07:00 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

أميركا وأوروبا... شراكة القلق

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 11:52 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

دعاء المطر والرزق السريع

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 09:29 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج الميزان

GMT 09:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:43 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

برج الثور عليك أن تعمل بدقة وجدية لتحمي نفسك

GMT 23:03 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

قواعد وإتيكيت إهداء الورود في المناسبات

GMT 03:25 2022 الجمعة ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

أفضل فنادق لقضاء شهر العسل

GMT 11:51 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

إيهما الأهم القيادة أم القائد ؟
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt