توقيت القاهرة المحلي 07:24:36 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عالم ما بعد 2020

  مصر اليوم -

عالم ما بعد 2020

بقلم : د. محمود محيي الدين

ساعات وتنطوي صفحات سنة الجائحة العاتية والركود العالمي وزيادة الفقر والجوع والبطالة وتفاقم الديون. ولما تضمنته هذه السنة من لحظات فارقة ستبقى في الذاكرة يؤرخ بها لما كان قبلها وما سيأتي بعدها، فقد جرى فيها في بضعة أيام وأسابيع ما كان معتاداً أن يستغرق سنوات من التغيرات والحوادث المؤثرة في حياة عموم الناس وأسباب معيشتهم.
وقد جاءت أزمات هذه السنة بتيارات كاشفة ومعجلة ومنشئة. ففي تياراتها الكاشفة ما أظهر قدرات المجتمعات ونظمها واقتصاداتها على التعامل مع الصدمات واحتوائها فارتبكت دول غنية في تعاملها مع الوباء، وقد كان ينظر لها على أنها من ذات البأس الاقتصادي والقدرة المؤسسية، في حين صمدت دول أخرى بعضها أقل دخلاً وثراءً، ولكنها كانت أكثر تنظيماً والتزاماً، وحظاً أيضاً. وفي تياراتها المعجلة برزت أنشطة تكنولوجيا المعلومات والرقمنة وحملت لشركاتها أرباحاً غير مسبوقة ونمواً كان من المفترض أن تمر سنوات قبل تحقيقه، كما انزوت أنشطة أخرى عجّلت الأزمة بنهايتها، التي كانت آتية حتماً؛ إذ كانت تصارع من أجل البقاء في العصر الرقمي رغم افتقادها لمقومات الصمود والمنافسة فيه مع بدائل أقل تكلفة وأعلى كفاءة من خلال المنصات الرقمية، خاصة في مجالات تجارة السلع الاستهلاكية والمنزلية، مع تسارع في معدلات زيادة التجارة الإلكترونية المستعينة بقواعد البيانات الكبرى والذكاء الصناعي، مع تحول تدريجي من تجارة اعتمدت على الحاويات إلى الاستعانة بالطرود على النحو الذي تسير عليه شركة «أمازون» الأميركية ونظيرتها الصينية «علي بابا»؛ وهو ما دفع شركات أخرى مثل «وول مارت»، عملاق تجارة التجزئة التي بلغت إيراداتها العام الماضي نصف تريليون دولار، للدخول بقوة في مضمار التجارة عبر الإنترنت بعد عهود من النمو تقليدياً من خلال فروعها المنتشرة في أميركا وحول العالم. ينبغي بطبيعة الحال التفرقة بين أنشطة تتعرض لمشكلات سيولة عارضة بسبب الأزمة وأخرى تعترضها أزمات هيكلية معوقة لاستمرارها.
أما وأن الأزمات التي شهدها عام 2020 منشئة أوضاعاً جديدة، فهو ما ستسفر عنه الأشهر المقبلة من العام الجديد؛ ومن ملامحها المبكرة ما يجعلنا متطلعين إليها باستبشار لا يغفل ضرورة التحوط والحذر في عالم شديد التغير. وجدير بنا النظر إلى المستجدات الخمسة التالية وتطوراتها ونحن نتحسس الخطى الأولى في عام 2021:
1 - نشر اللقاح وعوارضه الجانبية: أحدث الإعلان عن تطوير لقاحات من جهات أميركية وصينية وأوروبية وروسية عدة اطمئناناً لإمكانية السيطرة على الوباء المستشري. وتشير الأرقام إلى أن من إجمالي ما سيُنتج العام المقبل من جرعات اللقاح حجزت الدول المتقدمة منها 3.5 مليار جرعة لتلقيح مواطنيها، في حين لم تقم آلية «كوفاكس» التي تديرها منظمة الصحة العالمية لإتاحة اللقاح في الدول الأقل دخلاً بتدبير أكثر من 200 مليون جرعة، وتتفاوض للتعاقد مع 500 مليون أخرى، وهو ما لا يكفي بحال لتوفير اللقاح في الدول النامية، خاصة أن هذه الآلية تعاني عجزاً يقترب من 85 في المائة من إجمالي احتياجاتها التمويلية المقدرة بنحو 38 مليار دولار. وفضلاً عن مشكلة التمويل فهناك مخاوف تتعلق «بتسييس اللقاحات» بما يحد من سهولة انتقالها عبر الحدود. وفي تحقيق أجرته صحيفة «نيويورك تايمز» تتوقع ألا يصل اللقاح لمواطني الدول النامية كافة قبل عام 2024. وهذا هو ما يقصد هنا بالآثار الجانبية للقاح، فيما يتجاوز الأبعاد الطبية على متلقيه، حيث سيتسبب هذا التفاوت في مدى إتاحة اللقاح إلى مزيد من عدم العدالة في توزيع الفرص والدخول حول العالم بتأثيرات سلبية على قطاعات الإنتاج والنمو والتشغيل وقيود متباينة على حركة السفر والسياحة وانتقال العمالة بين الدول.
2 - إعادة تشكيل معالم العولمة: لن تندثر العولمة الاقتصادية بسبب صدمة «كورونا» وتعطيلها خطوط الإمداد، ولكنها ستعيد النظر في مساراتها؛ فالعولمة بمكوناتها الأساسية المتمثلة في حركة التجارة ورؤوس الأموال والعمالة وتبادل المعارف والتكنولوجيا ستستمر، ولكن بمزيد من الاعتبار لدور متنامٍ للأقاليم الجغرافية الاقتصادية. ففي استقصاء إحصائي لشركة الاستشارات «ماكينزي» أجرته على عدد من المديرين التنفيذيين لشركات عالمية في شهر مايو (أيار) الماضي، أعلن 93 في المائة منهم عن عزمهم على تأمين مدخلات إنتاجهم وسلعهم الوسيطة بجعلها أكثر قرباً من مراكز التوزيع ومقراتهم الرئيسية، وذكروا من مخاوفهم تأثير الحروب التجارية، وكذلك الأبعاد الخاصة بالبيئة ومعايير تشغيل العمالة. وقد شهد العالم من قبل نزوعاً لترتيبات إقليمية كلما تعثرت العولمة. وقد نرى أمثلة لهذه التوجهات الإقليمية للاتحاد الأوروبي بعد «بريكست»، وأيضاً الاتفاق الإقليمي الأكبر في شرق العالم بين دول الآسيان والصين وكوريا واليابان وأستراليا ونيوزيلاندا، وكذلك اجتهادات أفريقية لتيسير التجارة بين دول القارة. ومع زيادة حركة التجارة الإقليمية تترافق حركة رؤوس الأموال وربما انتقال العمالة أيضاً إذا تيسرت شروط الهجرة التي لطالما تعرضت لقيود أكبر نسبياً من تلك المفروضة على التجارة ورؤوس الأموال. وفي كل الأحوال سيتزايد الوزن النسبي لشرق العالم الآسيوي، وسيزداد نزوح مركز الجاذبية الاقتصادية تجاهه، رغم محاولات ستبذل لتعويق هذا النزوح.
3 - تعافٍ غير متوازن للاقتصاد العالمي: بعدما انكمش الاقتصاد العالمي بنحو 4.4 في المائة جراء الجائحة وما صاحبها من مربكات للأنشطة الإنتاجية، فمع السيطرة على الوباء ونتيجة لضخ حزم التمويل المساندة سيعود الاقتصاد العالمي لنمو في حدود 5 في المائة في المتوسط. ولكن هذا النمو سيكون أكبر في الصين والهند بمعدلات تقترب من 8 في المائة، ونصف هذا الرقم في الولايات المتحدة وأوروبا، وفي حدود 3 في المائة في الدول العربية والأفريقية؛ وسيتباين أداء القطاعات الاقتصادية التي سيتأخر بعضها في معاودة نشاطه لحساسيته للأبعاد الصحية والتخوف من العدوى.
4 - استثمارات ذكية مستدامة: تراجعت الانبعاثات الضارة بالبيئة والمناخ بنحو 7 في المائة، ولكن كأثر جانبي لتعطل جزئي في النشاط الاقتصادي وحركة النقل والسفر. ومع عودة الولايات المتحدة لاتفاقية باريس مع الإدارة الجديدة وضخها لتمويل ضخم يبلغ تريليونَي دولار في مشروعات للبنية الأساسية متوافقة مع هذه الاتفاقية. وقيام الاتحاد الأوروبي بربط تمويل إفاقة الاقتصاد البالغ 750 مليار يورو بشروط الاستدامة وتدعيم البنية الرقمية، وتبني دول مثل كوريا واليابان برامج مماثلة ترتكز على التحول الرقمي ومقاومة تغيرات المناخ؛ مع هذا كله ستكون الاستدامة والتحول الرقمي فرسَي انطلاق للاستثمارات العامة والخاصة. ويستلزم هذا منظومة متكاملة لمعايير الإفصاح للتحقق من مدى الالتزام بالتعهدات.
5 - بورصات مالية صاعدة بشروط: من المتوقع أن تستمر أسعار الفائدة على العملات الرئيسية في مستوياتها المنخفضة لفترة لتعين التعافي الاقتصادي من حالة الركود الراهنة بما سيؤثر إيجاباً على البورصات العالمية، والتي ستستمر في الاستفادة أيضاً من حزم التمويل الممنوحة للشركات والأفراد من الموازنات العامة. كما سيقبل المستثمرون على أسهم الأنشطة المستفيدة من الأزمة كشركات التقنية واللقاحات وغيرها. ولكن ينبغي التحوط ضد مخاطر مؤثرة على الأسواق المالية كالتوترات الجيوسياسية، وما يعرف بالأمن السيبراني وتأثيره على شبكات المعلومات، وكذلك تأثيرات تقلب أسعار السلع الأولوية وأوضاع الديون، خاصة في الدول النامية والأسواق الناشئة.
وفي كل الأحوال، مع الإقبال على عام جديد يحسن بنا التفاؤل بما فيه الخير والاستعداد الدائم لعالم شديد التغير، أما عن التوقعات ومساراتها وما يتحقق منها فكما قال نيلز بوهر عالم الفيزياء الدنماركي الحائز جائزة نوبل «إن التوقع أمر في غاية الصعوبة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالمستقبل!».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عالم ما بعد 2020 عالم ما بعد 2020



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 11:52 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

دعاء المطر والرزق السريع

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 09:29 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج الميزان

GMT 09:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:43 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

برج الثور عليك أن تعمل بدقة وجدية لتحمي نفسك

GMT 23:03 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

قواعد وإتيكيت إهداء الورود في المناسبات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt