توقيت القاهرة المحلي 07:45:58 آخر تحديث
  مصر اليوم -

العالم يتغير كل لحظة مثلما تتغير الدنيا بين النهار والليل

  مصر اليوم -

العالم يتغير كل لحظة مثلما تتغير الدنيا بين النهار والليل

بقلم: د. محمود محيي الدين

لا يوجد أسوأ من وصف مرحلة بأنها «انتقالية» في السياسة، إلا وصف مرحلة بأنها «عابرة» في الاقتصاد. فعادة تُطلق مثل هذه الصفات للتهوين من آثار سلبية لتطورات يشهدها المجتمع، بقدر محدود من المعرفة بمسارات التغيير وماهية وتوقيت نهايات تلك المراحل الانتقالية أو العابرة، وبدايات مرحلة جديدة يفترض أنها ستكون أفضل حالاً.

وقد جاء ذكر كلمة عابرة بتكرار في المرحلة الأخيرة على لسان رئيس البنك الفيدرالي الأميركي جيروم باول بداية من عام 2021، إبان الصعود المتوالي لمعدلات التضخم بسبب زيادات أسعار المستهلكين بشكل غير مسبوق منذ أربعين سنة، بفعل ارتباك سلاسل الإمداد وأثر زيادة التيسير النقدي بالغ السخاء للتعامل مع آثار الجائحة. وقد سبب هذا الوصف في تأخر التصدي للتضخم بما يستوجبه من تقييد للسياسة النقدية في التوقيت الاستباقي المناسب، ما دفع البنك الفيدرالي إلى اللجوء بعد ذلك لإجراءات أكثر تشدداً وعنفاً برفع متوالٍ لأسعار الفائدة لاحتواء التضخم قبل خروجه عن السيطرة، حتى استجاب للإجراءات بعد عنت وتكلفة باهظة. ولم تسلم من أضرار هذه الإجراءات بلدان نامية تقلبت أسعار الصرف فيها، واشتعلت خدمة الديون ارتفاعاً، كما تراجعت الاستثمارات والنمو لزيادة تكلفة التمويل.

وبعد الاجتماع الأخير للبنك الفيدرالي، الذي انتهى بتثبيت أسعار الفائدة من دون تغيير، وصف رئيس البنك الفيدرالي التضخم الذي قد ينجم بسبب إجراءات زيادة التعريفة الجمركية بأنه «عابر». وبالتالي لن يعدل البنك الفيدرالي من خططه بشأن أسعار الفائدة التي ما زالت الأسواق بين أمل وتوقع أنها ستنخفض بمقدار نصف نقطة مئوية عن مداها الحالي وهو 4.25 و4.5 في المائة. ومع عودة المخاوف من الركود التضخمي حيث تزامن ارتفاع توقعات التضخم مع تخفيضات متوالية لتنبؤات نمو الاقتصاد الأميركي لعام 2025 إلى 1.7 في المائة نزولاً من 2.8 في المائة العام الماضي، كما زادت احتمالات تعرض الاقتصاد الأميركي إلى 35 في المائة، وفقاً لتنبؤات بنك الاستثمار الأميركي غولدمان ساكس. فتخفيض أسعار الفائدة، إن حدث، سيكون لاستنقاذ الاقتصاد الأميركي من هوة الركود، أكثر من كونه ارتياحاً للاستقرار النقدي وانخفاض معدل التضخم نحو الهدف المعلن وهو 2 في المائة سنوياً.

إن في عودة الإجراءات الحمائية شر مستطير يبدأ بالاقتصاد ولا ينتهي عنده، فله تداعيات سياسية واجتماعية وأمنية شهدتها سابقاً، منذ عهد الميركانتيليين في القرنين السابع عشر والثامن عشر بإجراءاتهم المقيدة للاستيراد والتصدير، وما يستتبعها من حروب تجارية. ولم يكن العود أبداً لتلك الإجراءات الحمائية الميركانتيلية أحمد، فهكذا أنبأتنا الإجراءات التي اتبعتها الولايات المتحدة منذ مائة عام بعدما ضاق مزارعوها بفوائض المنتجات الزراعية الأوروبية ففرضت تعريفة جمركية على الواردات منها، فطالب المصنعون بحماية مماثلة حتى فرضت بقوة التشريع، فيما عُرف بقانون سموت-هولي، نسبة لنائبَي الكونغرس اللذين تبنياه في عام 1930. وانتشرت مثل هذه الأفعال المناوئة للتجارة حول العالم مستهدفة إلحاق الأذى بمن صاروا غرماء في التجارة بعدما كانوا من الشركاء. ربما اختلف المحللون الاقتصاديون حول ميكانيكية الفعل ورد الفعل لهذه الإجراءات، وهل أدت وحدها إلى الكساد الكبير الذي لم يخرج منه العالم إلا بكارثة الحرب العالمية الثانية. ولكن من المحسوم أن التجارة الدولية تقلصت بمقدار الثلثين؛ وزعزعت هذه الإجراءات مقومات التعاون الدولي، وأشعلت التوتر السياسي بين الدول بما يتجاوز أي حلول منطقية سلمية للخلافات بينها، ما أسهم في تهيئة أجواء للصراعات التي انتهت بالحرب العالمية الثانية.

وها هو لاري فينك الرئيس التنفيذي لأكبر بيت مالي لإدارة الأصول في العالم يحذر مساهميه في خطاب مفتوح من أن «الحمائية قد رجعت بكامل قوتها»، وأن الناس قد أمسوا «أكثر انزعاجاً من الاقتصاد مقارنة بأي وقت نتذكره». وليس مستغرباً في ظل هذه المربكات المتلاحقة أن يتساءل عموم الناس عن مستقبل الأسواق المالية فتأتي الإجابات متضاربة، معلقة التحسن بشروط تتنافى مع اشتعال الحمائية الراهنة. كما يتساءلون عن مستقبل الدولار فيكون الرد بأنه ما زال العملة الدولية، أو كما أطلق عليه الاقتصادي الأميركي جيفري فرانكل منذ 30 عاماً أنه «لينغوا فرانكا»، أي لغة التواصل المشترك، وقبل أن تستريح للإجابة يعاجلك فرانكل نفسه بمقال كتبه منذ أيام بأن ما نشهده من إجراءات قد ينهي سيطرة الدولار. وعندئذٍ لا تتعجب من بدائل تبرز عملياً سأناقشها في مقال قادم.

يتصور الهائمون في بحار الأماني، والمتعلقون بالحبال «الدائبة» من المفرطين في التواكل، أن ما يتوالى من ضربات متعمدة للاقتصاد العالمي إلى زوال من دون آثار تتركها، فهي ستتبدد حتماً في ظنهم بعد انتخابات نصفية للكونغرس. وإن طال أمد ما يحدث فلن يتجاوز، في اعتقادهم، الانتخابات الرئاسية لعام 2028؛ وكأنهم موقنون بفوز مخلصين حكماء يشملون العالم بالعدل والرخاء المشترك.

فما يحدث ليس مجرد دورة سياسية أو حالة موسمية اقتصادية ستتبدل مع الدوران السريع أو تبدل موسم بآخر غيره. وهو أيضاً ليس تغيراً هيكلياً قد تصلحه عملية إعادة الهيكلة بسياساتها المتعارف عليها في جوانب العرض أو محددات الطلب. ولكنها تغيرات نظامية حادة تصرخ، بعدما اكتفت بالتلميح والإشارات لسنوات طوال، بأن ما اصطلح على تسميته بـ«النظام العالمي» والمعمول به منذ الحرب العالمية الثانية، بأبعاده السياسية والاقتصادية والأمنية قد انتهى عملياً. وقد يكون فيما يجرى فرص طال انتظارها لعالم الجنوب، إن أحسن عملاً.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

العالم يتغير كل لحظة مثلما تتغير الدنيا بين النهار والليل العالم يتغير كل لحظة مثلما تتغير الدنيا بين النهار والليل



GMT 07:45 2026 الأربعاء ,01 إبريل / نيسان

روعة الوفاء !

GMT 14:55 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

دول الخليج العربية والنخب الصامتة

GMT 14:54 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الحرب التي لا تنتهي!

GMT 07:08 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 07:05 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 07:03 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

مشيتُ في جنازة دولةٍ عظمى!

GMT 07:01 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

نذر تقلص وقود المواصلات

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 11:52 2026 الأحد ,29 آذار/ مارس

دعاء المطر والرزق السريع

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 09:29 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج الميزان

GMT 09:41 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العقرب الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:43 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

برج الثور عليك أن تعمل بدقة وجدية لتحمي نفسك

GMT 23:03 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

قواعد وإتيكيت إهداء الورود في المناسبات

GMT 03:25 2022 الجمعة ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

أفضل فنادق لقضاء شهر العسل

GMT 11:51 2025 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

إيهما الأهم القيادة أم القائد ؟
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt