توقيت القاهرة المحلي 03:48:35 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مسائل التأزيم ومفهوم الدولة

  مصر اليوم -

مسائل التأزيم ومفهوم الدولة

بقلم : فهد سليمان الشقيران

تعبّر المرحلة عن حالها، الزلزال الذي يجري بالإقليم جدّ كبير. من الواضح أنه بلغ أقصى حدّ من الصرامة الحدّية بين الأطراف. وأرى أن الأزمات التي تعجّ بالمنطقة لها سمة التراكم والتأجيل في الحل، وآية ذلك أن الاتفاقيات بين الطوائف لم تدخل في صميم الحل، وإنما هي «هدنة مؤقتة» سرعان ما تنفجر. جرّب الأوروبيون هذه الهدن لقرون ومن ثم اندالت عليهم الحروب الأهلية بين سنةٍ وأخرى.
في الحرب الأهلية الإنجليزية كانت الدماء ترشق على نافذة فيلسوف كبير في القرن السابع عشر، وهو توماس هوبز مؤلف «اللفياثان» الذي يعتبر من متون الفلسفة السياسية الأساسية ومن مراجع العقد الاجتماعي التي تجاوب معها كل الفلاسفة من بعده، وكان من أبرز من تداخل معه في القرن العشرين الفيلسوف الأميركي جون راولز في كتابه الأساسي «العدالة كإنصاف». والقناعة المجتمعيّة لم تصل لعقد توافقي يتوجه بالمجتمع والأحزاب والطوائف نحو مفهوم الدولة، فهو المفهوم الذي ينجز كل شيء، ولا بد من الاقتناع بأن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة فحسب، وهذا هو التفويض الذي نظّر له الفيلسوف الألماني ماكس فيبر وخلاصة قوله إن الدولة هي الوحيدة التي من حقها أن تحتكر العنف، فالسلاح جزء من الدولة وليس من حق الفرد، هنا جوهر مفهوم الدولة.
في هذه المرحلة المتصاعدة من الأحداث المكثّفة برز الحديث عن السياسة والأخلاق، وهو موضوع هوس لدى العديد من الفلاسفة والمفكرين بالغرب، وبخاصةٍ منهم ذوو التأسيس اليساري، بمعنى أن السياسة يجب أن تقاد بالأخلاق، ويستندون إلى ذلك بزلازل المنطقة الحالية، والنزاع حول الأولويتين فيهما الكثير من مضيعة الوقت وتشتيت المفاهيم.
أرى أن النقاش الذي يجب طرحه الآن هو مستوى الصراع بين السياسات الواقعية والسياسات الحالمة (مثالية- أيديولوجية)، وأحسب أن السياسة الواقعية خلال القرون الثلاثة الماضية آتت أكلها، واستفاد البشر من أثرها، ومعظم القوانين والاتفاقيات والمعاهدات بنيت على سياساتٍ واقعيةٍ براغماتيةٍ مصلحية بحتة (من دون تهميش للأخلاقية)، وهذه هي السياسة التي سطّرها في مذكراته وينستون تشرشل وقد انتصر بها على هتلر، ونظّر لها بشكلٍ مستفيض هنري كيسينجر في كتابه عن «الصين» وفي كتابه «النظام العالمي». والآن تُطرح السياسات الواقعية في المعركة الانتخابية الأميركية بوصفها هي الأساس بالنسبة لدونالد ترامب.
لو تأملنا في الإقليم والدول المأزومة، لوجدنا أن الإشكال يكمن في معنى الدولة وفهمها. من أبرز مهام الدولة المحافظة على نمط عالٍ من اتساع الطبقة الوسطى، ولهذا نماذج طرحها المفكّر الأميركي والي نصر في كتابه «صعود قوى الثروة». واستدل بنموذجين اثنين هما نموذج اليابان وكوريا الجنوبية. من دون طبقة وسطى فعّالة يكون مفهوم الدولة منقوصاً، بل ربما يحوّل الدولة إلى نمط فاشل، وهذا الذي تعيشه العديد من الدول المأزومة حالياً، والتي لم تستمع لصوت الحكمة المطروح منذ أكثر من أربعين عاماً، طرحت دول الخليج نماذج رصينة؛ بغية رفع هذا الغشاء عن زعماء الخطابة والأيديولوجيات والتصريحات، ولكن ما من مجيب.
الخلاصة، أننا أمام أفكار قديمة نراها تتهاوى ونرى الدول وهي تذوي وتذبل. من دون تأسيس مفاهيم جديّة تعتمد على المواد الأممية، والحوارات المجتمعية، والبحث عن قيادات مدنية لن تجد تلك الدول أي حلٍ لها، الأسلوب هو نصف الفكرة، والمعنى السياسي الحالي لأي دولةٍ مأزومةٍ أن تستفيد من جوارها الهانئ. الكارثة كبيرة ومتصاعدة، وخطاب الأمس متمايز عن خطاب اليوم، الشكوك حول انهيار بعض الدول المأزومة موجودة، ولكن الرهان على القول الحكيم وطرق التفاوض، والبحث عن قوارب النجاة.

نقلا عن "الاتحاد"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مسائل التأزيم ومفهوم الدولة مسائل التأزيم ومفهوم الدولة



GMT 02:57 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

بديل السياسة الغائبة

GMT 02:56 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

مبارك بين عادل إمام ومحمود عبدالعزيز!!

GMT 02:54 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

عصر ما بعد الموتوسيكلات

GMT 02:52 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

الوساطة مازالت ممكنة لكن بشروط

GMT 02:50 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

زيارة قصيرة للساحل!

GMT 02:48 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

إلى أين نذهب؟

GMT 02:47 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

أفتقد هؤلاء

GMT 02:45 2026 الخميس ,23 تموز / يوليو

صراع فى الفضاء!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين

GMT 20:47 2020 الإثنين ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

مؤشرا البحرين يقفلان التعاملات على ارتفاع
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt