توقيت القاهرة المحلي 01:09:40 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مسائل التأزيم ومفهوم الدولة

  مصر اليوم -

مسائل التأزيم ومفهوم الدولة

بقلم : فهد سليمان الشقيران

تعبّر المرحلة عن حالها، الزلزال الذي يجري بالإقليم جدّ كبير. من الواضح أنه بلغ أقصى حدّ من الصرامة الحدّية بين الأطراف. وأرى أن الأزمات التي تعجّ بالمنطقة لها سمة التراكم والتأجيل في الحل، وآية ذلك أن الاتفاقيات بين الطوائف لم تدخل في صميم الحل، وإنما هي «هدنة مؤقتة» سرعان ما تنفجر. جرّب الأوروبيون هذه الهدن لقرون ومن ثم اندالت عليهم الحروب الأهلية بين سنةٍ وأخرى.
في الحرب الأهلية الإنجليزية كانت الدماء ترشق على نافذة فيلسوف كبير في القرن السابع عشر، وهو توماس هوبز مؤلف «اللفياثان» الذي يعتبر من متون الفلسفة السياسية الأساسية ومن مراجع العقد الاجتماعي التي تجاوب معها كل الفلاسفة من بعده، وكان من أبرز من تداخل معه في القرن العشرين الفيلسوف الأميركي جون راولز في كتابه الأساسي «العدالة كإنصاف». والقناعة المجتمعيّة لم تصل لعقد توافقي يتوجه بالمجتمع والأحزاب والطوائف نحو مفهوم الدولة، فهو المفهوم الذي ينجز كل شيء، ولا بد من الاقتناع بأن السلاح يجب أن يكون بيد الدولة فحسب، وهذا هو التفويض الذي نظّر له الفيلسوف الألماني ماكس فيبر وخلاصة قوله إن الدولة هي الوحيدة التي من حقها أن تحتكر العنف، فالسلاح جزء من الدولة وليس من حق الفرد، هنا جوهر مفهوم الدولة.
في هذه المرحلة المتصاعدة من الأحداث المكثّفة برز الحديث عن السياسة والأخلاق، وهو موضوع هوس لدى العديد من الفلاسفة والمفكرين بالغرب، وبخاصةٍ منهم ذوو التأسيس اليساري، بمعنى أن السياسة يجب أن تقاد بالأخلاق، ويستندون إلى ذلك بزلازل المنطقة الحالية، والنزاع حول الأولويتين فيهما الكثير من مضيعة الوقت وتشتيت المفاهيم.
أرى أن النقاش الذي يجب طرحه الآن هو مستوى الصراع بين السياسات الواقعية والسياسات الحالمة (مثالية- أيديولوجية)، وأحسب أن السياسة الواقعية خلال القرون الثلاثة الماضية آتت أكلها، واستفاد البشر من أثرها، ومعظم القوانين والاتفاقيات والمعاهدات بنيت على سياساتٍ واقعيةٍ براغماتيةٍ مصلحية بحتة (من دون تهميش للأخلاقية)، وهذه هي السياسة التي سطّرها في مذكراته وينستون تشرشل وقد انتصر بها على هتلر، ونظّر لها بشكلٍ مستفيض هنري كيسينجر في كتابه عن «الصين» وفي كتابه «النظام العالمي». والآن تُطرح السياسات الواقعية في المعركة الانتخابية الأميركية بوصفها هي الأساس بالنسبة لدونالد ترامب.
لو تأملنا في الإقليم والدول المأزومة، لوجدنا أن الإشكال يكمن في معنى الدولة وفهمها. من أبرز مهام الدولة المحافظة على نمط عالٍ من اتساع الطبقة الوسطى، ولهذا نماذج طرحها المفكّر الأميركي والي نصر في كتابه «صعود قوى الثروة». واستدل بنموذجين اثنين هما نموذج اليابان وكوريا الجنوبية. من دون طبقة وسطى فعّالة يكون مفهوم الدولة منقوصاً، بل ربما يحوّل الدولة إلى نمط فاشل، وهذا الذي تعيشه العديد من الدول المأزومة حالياً، والتي لم تستمع لصوت الحكمة المطروح منذ أكثر من أربعين عاماً، طرحت دول الخليج نماذج رصينة؛ بغية رفع هذا الغشاء عن زعماء الخطابة والأيديولوجيات والتصريحات، ولكن ما من مجيب.
الخلاصة، أننا أمام أفكار قديمة نراها تتهاوى ونرى الدول وهي تذوي وتذبل. من دون تأسيس مفاهيم جديّة تعتمد على المواد الأممية، والحوارات المجتمعية، والبحث عن قيادات مدنية لن تجد تلك الدول أي حلٍ لها، الأسلوب هو نصف الفكرة، والمعنى السياسي الحالي لأي دولةٍ مأزومةٍ أن تستفيد من جوارها الهانئ. الكارثة كبيرة ومتصاعدة، وخطاب الأمس متمايز عن خطاب اليوم، الشكوك حول انهيار بعض الدول المأزومة موجودة، ولكن الرهان على القول الحكيم وطرق التفاوض، والبحث عن قوارب النجاة.

نقلا عن "الاتحاد"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مسائل التأزيم ومفهوم الدولة مسائل التأزيم ومفهوم الدولة



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 13:48 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الميزان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 08:22 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الميزان الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 12:03 2024 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

غياب ثنائي الاتحاد السكندري عن مواجهة الأهلي في الدوري

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:18 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 18:45 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الأسد الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 08:22 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج السرطان

GMT 06:24 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

رينو 5 الكهربائية الجديدة تظهر أثناء اختبارها

GMT 19:06 2020 الثلاثاء ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

الإعلامية بسمة وهبة تنتقد إيناس الدغيدي بسبب "شيخ الحارة"

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 09:02 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

اليوم ينصحك الفلك ألا تعلن أخبارك ولا تتكلم عن حياتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt