توقيت القاهرة المحلي 06:13:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

على مقياس «لحتر»

  مصر اليوم -

على مقياس «لحتر»

بقلم - عبدالله بن بجاد العتيبي

علوم الاقتصاد والاجتماع طوّرت عبر عقودٍ من الزمن مقاييس خاصةً تشبه ولا تطابق مقاييس العلم التطبيقي كالرياضيات وغيرها، وظلت العلوم الإنسانية العامة تسعى جهدها لمطابقة العلوم المحضة، فتنجح حيناً وتفشل أحياناً، لأن النفس البشرية أكثر تعقيداً من حسابات الرياضيات.
تطور العلوم الإنسانية شهد تباينات عدة وتفرعاتٍ شتى، انقرض بعضها وتطور البعض الآخر، وبينما ظلت العلوم الرياضية، كالجبر والرياضيات والفيزياء والإحصاء وأمثالها، تعتمد على الأرقام والمعادلات والنتائج القاطعة، فقد سعت العلوم الإنسانية، كالأنثروبولوجيا والاجتماع والاقتصاد والسياسية ونحوها، أن تحذو حذوها، ولكنها لم تستطع حتى الآن مع كل التطور الكبير، الذي حدث لهذه العلوم الجليلة المتفرعة عن الفلسفات الكبرى.
المثال من أفضل الطرق لتوضيح الأفكار، وفي علم الجيولوجيا ثمة مقياس شهيرٌ ومتداولٌ ويعرفه الجميع في هذا العصر، وهو «مقياس ريختر» لقياس الزلازل، وهو مقياس اخترعه تشارلز فرانسيس ريختر، حيث وضع مقياساً علمياً محدداً، لتصنيف الهزات الأرضية وفق طريقةٍ علميةٍ ورياضيةٍ، وقد صار اليوم معتمداً، ويفهمه الكافة في نشرات الأخبار بمجرد ذكر الرقم في هذا المقياس.
جرت محاولات في العلوم الإنسانية لخلق مقاييس ومعايير ومؤشراتٍ، في علوم الاجتماع والسياسية والاقتصاد، تشابه تلك العلمية والرياضية، وكان طبيعياً ألا تحظى بنفس البرهنة والجودة والمعرفة الشعبية كسابقتها، ولكن قصور العلم الحالي لا يمنع المحاولة، وهو عموماً شأن تسعى له العلوم والأكاديميات في شتى دول العالم.
ظاهرة وحركات «الإسلام السياسي» مثلت حدثاً استثنائياً وكبيراً على مدى أكثر من قرنٍ من الزمان من تاريخ البشرية، وتاريخ الأمتين العربية والإسلامية، وهي ظاهرة بالغة التأثير في كل المجالات وواسعة التعدد والتشظي عبر أيديولوجيات ومفاهيم وخطاباتٍ، وعبر جماعاتٍ وتنظيماتٍ، وعبر محاولات التماهي مع الدين وجعل الدين الإسلامي، تحديداً، سبيلاً إلى «السلطة السياسية»، وعبر عقودٍ متطاولة كانت لهذه الظاهرة وعلاقاتها بالدول التي نشأت فيها وبالاستعمار والعلاقات المتشعبة معه تأثيراتٌ لا تحصى ومناوراتٌ لا تعد، ولكن ذلك لا يغني عن أي محاولاتٍ علميةٍ لرصد هذه الظاهرة الكبرى ووضعها على محك العلم والتمحيص.
«مقياس لحتر» هو مقياسٌ يراد به رصد تطورات هذه الظاهرة، وهي ظاهرة «الصحوة الإسلامية» التي تختلف في كل شيء عن «دين الإسلام»، وهو مقياس يعبر عن اعتماد الصحوة على طول اللحية وقصرها كمؤشرٍ دينيٍ على الانتماء لأيديولوجيا الإسلام السياسي لا على الانتماء للإسلام، فالخلافات الفقهية حول إعفاء اللحية من عدمه كثيرةٌ ومتشعبةٌ في أقوال فقهاء الإسلام في المذاهب المعتمدة، وهي مسألة فقهيةٌ صغيرةٌ ليست ذات شأن لدى الفقهاء المعتبرين، ولكنها تحوّلت مع «الصحوة» إلى مقياسٍ مهمٍ مع أمثالها في «الزي» و«الهيئة» و«الخطاب» و«طريقة التعامل» من أجل تمييز «الإسلاموي» عن «المسلم».
يمكن للباحث المختص أن يدرك معاني الظواهر الشكلية للتعبير عن الأديان، كما يمكن لعامة الناس إدراك انتماءات الأشخاص الدينية بناء على مظاهرهم التي يختارونها، فاليهود مثلاً يميّزون أنفسهم بالشعر المتدلي على طرفي الرأس والذي يسمونه «الزنانير»، وكذلك بـ «الكيباه» أو القبعة والغطاء الذي يوضع على منتصف الرأس، ومثل هذا يفعل أتباع الديانة «السيخية»، حيث يميزون مظهرهم بميزاتٍ معينة مثل «كيش» أو الشعر غير المقصوص و«كارا» أو سوارٌ من الفولاذ، أو مثل «النقطة الحمراء بين الحاجبين» في الديانة الهندوسية، والأمثلة لا تحصى.
أخيراً فـ «مقياس لحتر» والتسمية ليست لي، هو مقياسٌ علميٌ يفترض أن تعتمده الأكاديميات والدول لقياس تأثير الصحوة على المجتمعات والدول، لا حين تصل لمرحلة «الإرهاب»، بل قبل ذلك بكثيرٍ، لأنه يفترض بالعالم وصانع القرار أن يعرف حراك المجتمعات قبل أن تصل لمرحلتها النهائية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

على مقياس «لحتر» على مقياس «لحتر»



GMT 06:13 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الخراب والخديعة

GMT 06:01 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

هشام عبد الحميد... هو «أيّ هشام وخلاص»؟!

GMT 05:45 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

ولئن رُدِدْتُ فَأَيَّ بابٍ أَقْرَعُ؟

GMT 05:42 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الماضي يلاحقُنا أم نهرب إليه؟

GMT 05:38 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الهجرة إلى الجنوب

GMT 05:22 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

التعاون الدولي الجديد والهندسة المتغيرة

GMT 05:07 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

الرياض ــ القاهرة... رسم خرائط المستقبل

GMT 04:50 2026 السبت ,19 أيلول / سبتمبر

حلم التغيير!

النجمات يستعرضن استعداداتهن للخريف بإطلالات مزينة بالدانتيل

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكالة  ناسا تمنح سبيس إكس 3 رحلات مأهولة إضافية

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 18:53 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج العقرب الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:39 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الثور الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:59 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الدلو الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:36 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحمل الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 18:56 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الجدي الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 19:01 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج الحوت الخميس 06 أغسطس/ آب 2026

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 05:07 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج القوس الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:13 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الجدي الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 05:01 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الميزان 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 04:24 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الثور الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 18:54 2026 الخميس ,06 آب / أغسطس

حظك اليوم برج القوس الخميس 06 أغسطس/ آب 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt