توقيت القاهرة المحلي 23:59:11 آخر تحديث
  مصر اليوم -

صراع الهويات المميت في الشرق الأوسط

  مصر اليوم -

صراع الهويات المميت في الشرق الأوسط

بقلم : محمد الرميحي

الاشتباك المميت بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية وبين إسرائيل، الذي يجري أمام العالم اليوم، في جزء منه هو صراع هويات، ولكنه صراع مرير ومكلف في الوقت نفسه. لا أحد يعرف اليوم على وجه اليقين كيف يمكن أن ينتهي هذا الصراع، ولا جذوره في فهم الهوية الوطنية، وطريقة تطبيقها في الدولة الحديثة، هل تبقى في حدود الدولة، أم هي عابرة للدول والحدود؟

الدولة المدنية الحديثة ليست دينية بالمعنى الشامل، ولا معادية للدين، بل تضمن حرية المعتقد لكل المذاهب، وتفصل الدين عن المؤسسات السياسية، ولا تفرض مذهباً رسمياً، وتحترم التعددية الدينية.

وصل الإنسان إلى ذلك المكان لضرورات جغرافية وسياسية وحياتية، لعل جذورها القديمة هو الصراع الديني المميت في أوروبا في العصور الوسطى، وقد كان صراعاً مذهبيّاً يرغب المذهب الواحد أن يسود على الآخرين، ولكن كل تلك الحروب فشلت في حلّ تلك المسألة، ليتوافق دارسو التاريخ لمبدأين؛ الأول حياد الدولة مذهبياً، والثاني عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان المختلفة، من أجل فرض طريقة تفكير وإيمان خاص، وقد تأكدت الفكرة مع صلح وستفاليا عام 1648، بعد حروب طاحنة. هذا الصلح أنهى ما عرف بالحروب الدينية، وأرسى قاعدة ما عرف بالدولة ذات السيادة في نطاق حدودها الجغرافية.

الاستعمار الحديث بعد الحرب العالمية الأولى استخدم التدخلات في شؤون الآخرين ذريعة لفرض السيطرة، وإدخال هذه المجتمعات كما قيل، إلى ساحة الحضارة، إلا أن الحربين العالميتين الضروسين كشفتا فداحة الضرر الذي تسببه محاولة التدخل في شؤون الدول الأخرى، لذلك دخلت المجتمعات في ذلك الوقت في صراعات كارثية، على إثرها تلاشت الإمبراطوريات التقليدية القديمة.

سيادة الدولة في القانون الدولي هي مبدأ أساسي، أكّدها ميثاق الأمم المتحدة في المادة اثنين، الفقرة سبعة، وتخضع أيضاً للضرورات الجغرافية، فالدول المتجاورة تربطها مصالح مشتركة، وتدخل بعضها في شؤون بعض يؤدي غالباً إلى التوتر أو المواجهة، من هنا بدأ الحديث عما يسمى بمبدأ حسن الجوار، وهو يقضي باحترام الحدود، وحلّ الخلافات البينية بالحوار، وفق مواثيق إقليمية ودولية محترمة من الجميع.

كثير من الدول العربية في التاريخ الحديث امتنعت عن التدخل المباشر في بداية عهدها الاستقلالي، وقد أنشئت الجامعة العربية احتراماً لهذا المبدأ، التعاون دون صراع، إلا أن دولاً في الجوار بسبب الحالة الثورية التي عصفت بالمنطقة العربية، بدأت مطلع خمسينات القرن الماضي، بدأت بتجاوز ذلك المبدأ، وطفقت في التدخل المباشر في شؤون الآخرين، تحت شعارات زاعقة. وبالتالي، حدث تمزق في مجتمعات تلك الدول، التي تمّ التدخل في شؤونها، حدث ذلك أيضاً في أفريقيا بعد الانتهاء من الاستعمار المباشر، ولكن الأفارقة انتبهوا إلى أهمية السيادة للدولة الوطنية، وعدم التدخل في شؤونها، لذلك شكلوا تنظيمات قانونية لحل الخلافات البينية.

الغزو العراقي للكويت عام 1990 هو حالة واضحة من التدخل في شؤون الجوار، تحت شعارات مختلفة ولأسباب ملتبسة، ما أفقد العراق في نهاية الأمر شيئاً من استقراره، وأدخله في أزمة طويلة المدى حتى الآن لم يتعافَ منها، وقد وقفت دول الجوار بصرامة ضد ذلك التدخل.

فتح باب التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى تحت ذرائع مختلفة، هو أصل الشرور في منطقتنا في التاريخ المعاصر، ولم تكن الجمهورية الإسلامية بعيدة عن السير على ما سارت عليه الدول الثورية، فقامت لأسبابها الخاصة، وتحت شعارات مختلفة، بالتدخل في شؤون الجوار، ما أفقد المنظومة الإقليمية ثقة بعضها ببعض، وفقدت حدّاً أدنى من التآزر الجواري.

وقد أدّى فيما أدّى إلى فقدان الشرعية لعدد من البلدان، وإلى حروب داخلية طاحنة، وتعطل الدولة والاضطراب الخطير المشاهد في منطقتنا.

تجارب التاريخ تقول لنا إن فتح باب التدخل في الشؤون الداخلية من دولة في الجوار إلى محيطها، غالباً ما يؤدي إلى استنزاف الموارد، وبتكاليف مرتفعة، ويؤسس للحروب، ويسمم العلاقات ويضعف الثقة.

جزء من الصراع الدائر اليوم بين الجمهورية الإسلامية في إيران وبين إسرائيل هو تبني الأولى أذرعاً مختلفة في المناطق المحيطة جغرافيّاً بإسرائيل، ما خلق سلسلة من الأزمات وردود الفعل، انتهت بما نشهده من صراع، قد يتفاقم ليفجر المنطقة بأسرها.

تلك بذرة الصراع المشاهد اليوم، الذي تطور ويتطور إلى أن يصبح شبه عالمي.

كل الجهود المبذولة في التنمية يمكن أن تتبخر في وقت قصير، إن نشب صراع واسع، فقد ثبت تكراراً أن الحروب مكلفة، ولها تبعاتها السلبية الطويلة، وهي أيضاً معدية.

آخر الكلام...

الحروب تدمر الأرواح، وتخرب الأوطان، وتزرع الكراهية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صراع الهويات المميت في الشرق الأوسط صراع الهويات المميت في الشرق الأوسط



GMT 18:46 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

لماذا يحتاج “الحرس الثوري” “الحزب”؟

GMT 18:43 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

التجرؤ على المال العام !

GMT 18:28 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

عودة إلى عز العرب

GMT 18:16 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

ورقة لبنان

GMT 18:11 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

هل عادت الحرب أم هو التفاوض بالنار؟

GMT 18:09 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

خبر مدهش ورد فعل مدهش

GMT 18:06 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

أعلام كفر شكر!

GMT 18:04 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

لغز مقبرة الوطاويط «TT33»

الفستان البليسيه الأبيض يتصدر إطلالات إليسا المميزة

بيروت - مصر اليوم

GMT 22:37 2026 الثلاثاء ,09 حزيران / يونيو

الكرملين يؤكد عدم وجود خطط لمكالمة بين بوتين وترامب
  مصر اليوم - الكرملين يؤكد عدم وجود خطط لمكالمة بين بوتين وترامب

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:29 2025 الثلاثاء ,03 حزيران / يونيو

بيراميدز يجهز مصطفى فتحي لنهائي الكأس أمام الزمالك

GMT 13:07 2025 الأربعاء ,03 كانون الأول / ديسمبر

الزمالك يتمسك باستمرار المغربي محمود بنتايج ويرفض رحيله

GMT 11:15 2023 الجمعة ,01 أيلول / سبتمبر

عام دراسي يتيم في اليمن

GMT 03:17 2018 الأربعاء ,19 كانون الأول / ديسمبر

طريقة سهلة لتحضير قشطة بانوفي المخفوقة بالبندق والشوكولاتة

GMT 02:44 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

علا غانم تقرر الانسحاب من رمضان وتنتقل للعيش في أميركا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt