توقيت القاهرة المحلي 12:53:05 آخر تحديث
  مصر اليوم -

التقاليد الأكاديمية تهزم الحكومة البريطانية

  مصر اليوم -

التقاليد الأكاديمية تهزم الحكومة البريطانية

بقلم: عادل درويش

 

تراجع الحكومات عن قراراتها يذكّر الرأي العام بأن العودة لفضيلة الحق بإلغاء قرار حديث الصدور تسلط الضوء على سوء تقدير الحكومة، وتظهرها مترددة تنقصها الخبرة.

ستة أشهر فقط بعد قرار حكومة بريطانيا العمالية بزعامة السير كير ستارمر تجميد تنفيذ قانون التعليم العالي لعام 2023، لتتراجع وتقرر وزيرة المعارف، بريجيت فيليبسون، إعادة تطبيق القانون الذي عُرف أيضاً بحماية حرية التعبير والبحث في الجامعات.

القانون صدر في عهد حكومة ريشي سوناك (2022-2024) استجابة لدعوات الأكاديميين بحماية حرية البحث العلمي وجماعات الدفاع عن حرية التعبير والمناظرات في الحرم الجامعي، بعد تزايد ظاهرة «اللامنبرة» بحرمان محاضرين وكتّاب من منبر التعبير عن أفكارهم. وكانت الظاهرة قد تنامت وتوسعت في الاتحادات الطلابية التي وقعت تحت نفوذ تيارات يسارية وحملات فيما عُرف بـ«الحرب الثقافية». بدأت بضغوط ومظاهرات الطلاب الذين يحتجون على سياسات، أو يناصرون قضايا معظمها ليست له علاقة مباشرة بالجامعة أو المعهد أو المناهج نفسها، أو لأن المدعو لإلقاء المحاضرة قد عبر في الماضي عن رأي على مواقع التواصل الاجتماعي أو في الإعلام، يدعي المحتجون أنه مناقض للصوابية السياسية أو للأفكار والآيديولوجيات التي يناصرونها، وكثيراً ما يضغطون على إدارة الجامعة، أو اللجنة التي وجهت الدعوة، ويصرون على سحب الدعوة. وأحياناً تجاوز المحتجون اللوائح ومنعوا الضيوف المتحدثين دقائق قبل بدء المحاضرة، وتكرر استدعاء إدارات الجامعات للشرطة لفض الاحتجاج، أو حماية المتحدث، أو التفريق بين المؤيدين والمعارضين.

جماعات الاعتراض والضغط من اليسار، والتي أصبحت صاحبة الصوت الأعلى اجتماعياً وإعلامياً، بدأت بما يمكن تسميته بـ«حق يراد به باطل»، وهو مناصرة أقليات وجماعات كانت مضطهدة تاريخياً، ورفض ما يعتبره البعض «إهانة»، سواء للعرق الإثني أو لمعتقد ثقافي أو ديني. ويذكر القراء أن ذلك أعقبته حملة ضغط لمنع دراسة ومناقشة فصول من تاريخ البلاد بحجة أنها حقبة استعمار، مطالبة بمنع كتب أو إعادة تحريرها، ومقاطعة أكاديميين ومحاضراتهم. كبار الأكاديميين الكلاسيكيين، بخاصة في مجال التاريخ والفلسفة، أبدوا انزعاجهم من تنامي الظاهرة؛ ففترة الدراسة الجامعية هي المرحلة التي تتعلم فيها الأجيال الاطلاع على مجالات المعرفة والتعامل مع الجديد من أفكار ونظريات ومعلومات تناقض وتخالف معتقداتهم وإطارهم الثقافي الذي شبّوا عليه.

المتخصصون جادلوا بأن تجربة تفتيح الأذهان والتعرف إلى غير المألوف لا تقتصر فقط على قاعات المحاضرات أو في المكتبة، بل في الحرم الجامعي بكافة أبعاده الجغرافية والاجتماعية والثقافية من جمعيات وأنشطة ودعوات لمفكرين وشخصيات دولية ومبدعين من خارج الجامعة، لإلقاء المحاضرات وإثارة الجدل مثل مناظرة اتحاد طلاب جامعة أكسفورد العريقة. التقليد بدأ في عام 1823 كجدل حول قضية معاصرة بين مؤيد ومعارض. ومن الذين شاركوا عبر السنوات: الدالاي لاما الرابع عشر، والرؤساء الأميركيون الثالث عشر ريتشارد نيكسون، والـ29 جيمي كارتر، والـ42 بيل كلينتون، والزعيم البريطاني الأسبق إدوارد هيث، وعلماء الفيزياء التاريخيون كصاحب نظرية النسبية ألبرت أينشتاين، وبروفيسور نظرية أصل الزمن ستيفن هوكينغ. المناظرة عبر الأجيال تناولت قضايا مثيرة للجدل مع زعماء اعتُبروا متطرفين في مجتمعاتهم مثل زعيم حركة الحقوق المدنية الأميركية الأسود المسلم مالكوم إكس في 1964، ليجادل بأن «التطرف في الدفاع عن الحرية ليس خطيئة». والعديد من اتحادات الجامعات تتخذ من المناظرة نموذجاً تحتذي به، لكنها بدأت تواجه تحدي تيارات الإلغاء واللامنبرة في الحرب الثقافية.

حكومة المحافظين الأخيرة (2019-2023) ونواب برلمانيون استجابوا لنداءات المتخصصين والأكاديميين، بخاصة فيما يتعلق بالقلق من إعادة صياغة أحداث التاريخ. وبعد جلسات استماع وبحث صيغ قانون التعليم العالي 2023 الذي يلزم إدارات الجامعات والمعاهد العليا والاتحادات الطلابية بضرورة حماية حرية التعبير والمناقشة والبحث العلمي والأكاديمي، من أي تهديد باعتراضها. حكومة العمال، من منطلق آيديولوجي، لم تأخذ في الاعتبار الدراسات والمناقشات التي سبقت الإعداد لصياغة القانون وأوقفت تنفيذه، لكن الأربعاء هذا الأسبوع تراجعت وزيرة المعارف فيليبسون عن قرارها السابق أمام مجلس العموم، وقالت للنواب إن «حرية البحث الأكاديمي وحرية التعبير في الجامعات أكثر أهمية من رغبة بعض الطلاب في حجب ما يعتبرونه إساءة إلى معتقداتهم وثقافتهم». أهي فضيلة الرجوع للحق، أم اللحاق بعالم رئاسة دونالد ترمب الثانية، وإيلون ماسك على منصة «إكس»، الذي دفع مارك زوكربيرغ إلى إلغاء لجنة الرقابة على «فيسبوك»؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

التقاليد الأكاديمية تهزم الحكومة البريطانية التقاليد الأكاديمية تهزم الحكومة البريطانية



GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 11:23 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

... عن الفضيحة والرأسماليّة

GMT 11:22 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سير ستارمر... يستقيل أمْ يُقال؟

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الخطوط الحمر

GMT 11:20 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

GMT 11:19 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإمبراطورية الألمانية... زمن صحوة البوندسفير

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt