توقيت القاهرة المحلي 18:34:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الانتخابات المحلية اختبار للقيادة ووحدة بريطانيا

  مصر اليوم -

الانتخابات المحلية اختبار للقيادة ووحدة بريطانيا

بقلم: عادل درويش

في بريطانيا، تبدو الانتخاباتُ المحلية في ظاهرها شأناً مرتبطاً بأولويات الناخبين المباشرة: صيانة الطرق، جمع القمامة، الضرائب المحلية، الإسكان. لكن في حسابات وستمنستر، هي شيء مختلف: حكم سياسي عام متخفٍ في اقتراع محلي.

يوم الخميس المقبل يتوجَّه البريطانيون إلى صناديق الاقتراع في انتخابات متعددة الجبهات: انتخابات المجالس المحلية في إنجلترا، والحكومات المحلية في برلماني أسكوتلندا وويلز. وبجانب الأهمية الاستثنائية لليوم، تأتي هذه الانتخابات في لحظة سياسية حرجة، حيث تبدو حكومة كير ستارمر أكثرَ شبهاً بإدارة بدأت علامات الإرهاق تظهر عليها، رغم أنها لم تكمل عامين.

الخطر الحقيقي على ستارمر لا يكمن فقط في خسارة حزب العمال المتوقعة لمقاعد كثيرة كظاهرة معتادة في منتصف الولاية، بل في نمط الخسارة. إذا جاءت النتائج كتآكل واسع ومتعدد الاتجاهات، فسيكون ذلك علامة على فقدان أعمق للثقة، لا مجرد تذمر عابر. استطلاعات الرأي الأخيرة تضع حزب «ريفورم» في الصدارة، متقدماً على العمال والمحافظين معاً، ما يعكس تفكك المشهد السياسي التقليدي الذي حكم بريطانيا لعقود.

السؤال بعد إعلان النتائج سيكون قاسياً لستارمر: هل لا يزال الرجل الذي أعاد الحزب إلى الحكم، أم أصبح عبئاً يعرقل قدرته على الحكم بفاعلية؟ رؤساء الوزراء لا يُطاح بهم عادة بعد انتخابات محلية مباشرة، لكن النتائج السيئة تخلق مناخاً سياسياً خطيراً، يبدأ بالهمس وينتهي بالمطالبة بالتغيير.

الناخبون لا يعاقبون حزب العمال على سياسة بعينها، بل على الأداء العام. فـ«الجدية» التي ميّزت ستارمر تحولت، في نظر الرأي العام إلى برود سياسي غير قادر على الإقناع. وإذا خسر الحزب أصواتاً لصالح «ريفورم» من جهة، و«الخضر» من جهة أخرى، فسيجد نفسه محاصراً بين ناخبين يبحثون عن بدائل متناقضة، لكنَّهم يتفقون على شيء واحد: عدم الرضا عن حكومة ستارمر.

في أسكوتلندا، ليست مجرد انتخابات محلية، بل اختبار لمستقبل وحدة المملكة المتحدة. الحزب القومي الأسكوتلندي لا يزال متقدماً، لكن المفاجأة هي صعود «ريفورم» إلى مستويات غير مسبوقة في بلد كان يُنظر إليه سابقاً كأرض رافضة تماماً لهذا التيار.

هذا التَّحول يرتبط بالهوية وبالاقتصاد. فسياسات «صفر الانبعاثات» البيئية، نُظر إليها في معظم دوائر أسكوتلندا كتهديد للوظائف في قطاع الطاقة والنشاطات المرتبطة بها. وهنا يتحوَّل النقاش من استقلال مقابل وحدة، إلى معيشة مقابل مبادئ.

في حال تحالف القوميين والخضر كأغلبية برلمانية ستجدد الدعوات إلى استفتاء جديد على الاستقلال، مؤدية إلى أزمة قانونية، فالمحكمة العليا في المملكة المتحدة قضت بأنَّ البرلمان الأسكوتلندي لا يملك صلاحية إجراء استفتاء بلا موافقة لندن. ما يعني دخول أغلبية مؤيدة للاستقلال في صدام سياسي طويل.

الصورة في ويلز أكثر دلالة على أزمة حزب العمال. فالإمارة، رغم صغر حجمها، تمثل رمزاً تاريخياً لهيمنة الحزب منذ بدء الحكم الذاتي. واليوم، تشير الاستطلاعات إلى تراجع هذه الهيمنة، مع صعود قوى منافسة مثل «بلايد كيمري» (القومي الولشي) و«ريفورم». وخسارة «العمال» ويلز تعني فقداناً لجزء من هويته السياسية.

في إنجلترا، يتجلَّى المشهد الأكثر تعقيداً. الانتخابات تشمل آلاف المقاعد المحلية، حيث يتعرَّض الحزبان الكبيران لضغط غير مسبوق من قوى صاعدة. «ريفورم» بدا كقوة احتجاجية منظمة، استطاعت اختراق معاقل تقليدية، بينما يتقدم الخضر في المدن الكبرى وبين الناخبين الشباب. أما المحافظون، فيحاولون استعادة توازنهم، لكنَّهم محاصرون بين خسارة ناخبيهم لـ«ريفورم»، وفقدان مواقعهم المحلية للديمقراطيين الليبراليين.

كما أنَّ البعد الأوروبي يطل برأسه. وزيرة المالية راتشيل ريفز تدفع نحو علاقة أكثر تقارباً مع الاتحاد الأوروبي، بهدف تخفيف القيود التجارية وتحفيز النمو. وهذا يحمل مخاطرة سياسية سيستغلها خصومها كدليل على «تآمر» خفي ضد «بريكست».

إذا خرج «ريفورم» كأكبر الرابحين، فسيؤثر بشكل ملحوظ في السياسات. يكفي أن يفرض نفسه رقماً صعباً، يدفع الأحزاب الأخرى إلى إعادة حساباتها. وفي هذه الحالة، قد يجد حزب العمال نفسه ممزقاً بين الحاجة إلى استعادة ثقة الناخبين، والخوف من اتخاذ خطوات قد تزيد من نفورهم.

في المحصلة، هذه الانتخابات ليست مجردَ تنافسٍ على إدارة المجالس المحلية. إنَّها اختبار لقيادة ستارمر، ولمستقبل وحدة المملكة المتحدة، ولشكل النظام الحزبي نفسه. أفضل ما يمكن أن يأمله هو خسائر محدودة يمكن احتواؤها. أمَّا السيناريو الأسوأ فهو خسائر متزامنة في إنجلترا وأسكوتلندا وويلز، تعكس أزمة ثقة شاملة.

السياسة، كالسيارات الإنجليزية القديمة، كثيراً ما يتم تجاهل ضوء التحذير في لوحة القيادة... إلى أن يتوقف المحرك، ويبدأ الجميع في البحث عن المسؤول، وهو قائد السيارة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الانتخابات المحلية اختبار للقيادة ووحدة بريطانيا الانتخابات المحلية اختبار للقيادة ووحدة بريطانيا



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

عملاق يكتب عن عملاق... إنه عظيم ومبجل

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

إيران تنقل المعركةَ إلى الكويت واليمن

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

الحوثي... حكايات إمامية

GMT 08:22 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

العراق: الوطنيّة في مسارها الصعب والطويل

GMT 08:17 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

جولة حرب أخرى؟!

GMT 08:15 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

حرب ومواقف ذات دلالات

GMT 08:14 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

أندي بيرنهام... ثائر بريطاني؟!

هيفاء وهبي تسحر الأنظار بأبرز إطلالاتها لصيف 2026

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 17:58 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

تقارير تكشف دراسة فيفا لتأجيل كأس العالم 2034
  مصر اليوم - تقارير تكشف دراسة فيفا لتأجيل كأس العالم 2034
  مصر اليوم - عون يؤكد أن نزع سلاح حزب الله ممكن حال توفر 3 شروط

GMT 09:53 2026 الأربعاء ,22 تموز / يوليو

توقف مرور ناقلات النفط عبر مضيق هرمز

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 16:18 2023 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

العراق فاتحاً ذراعيه لأخوته وأشقائه

GMT 07:12 2024 الثلاثاء ,23 كانون الثاني / يناير

هل للطفل مطلق الحرية ؟

GMT 10:17 2024 الإثنين ,30 كانون الأول / ديسمبر

أسماء الأسد ممنوعة من دخول بريطانيا

GMT 08:33 2016 السبت ,05 تشرين الثاني / نوفمبر

هشام عز العرب يرحب بإلغاء العمولات على تحويلات المصريين
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt