توقيت القاهرة المحلي 14:20:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ليبيا وفخ البنك الدولي

  مصر اليوم -

ليبيا وفخ البنك الدولي

بقلم - جبريل العبيدي

بعد كارثة درنة ظهرت قضية الإعمار والصراع حول الأموال التي رصدها البرلمان لإعادة الإعمار، في ظل أصوات تطالب بالتدويل، وإشراك البنك الدولي، أو حتى الاقتراض منه، في سابقة خطيرة ستكون عواقبها أكثر بشاعة من كارثة درنة، خاصة أن ليبيا ليست في حاجة للاقتراض من البنك الدولي، فهي من البلدان الغنية التي ليست لها ديون، وفي أرصدتها ما يفوق مئتي مليار دولار، واحتياطي من الذهب كبير.

مسألة تدويل الإعمار ستكون نتائجه السلبية كارثية في مقابل الفساد المحلي الذي يخشاه أغلب السكان، بعد تجارب مع فساد حكومي متعاقب أهدر الأموال، لدرجة أن إحدى حكومات فبراير أهدرت خمسة مليارات دينار ليبي في قرطاسية مكتبية لديوان الحكومة!

ليبيا في تاريخها المعاصر لم تكن دولة دائنة ولا مدينة، بل عندها احتياطي مجمد من الدولار يتجاوز مئتي مليار دولار في بنوك مختلفة، وبالتالي طلب قرض من البنك الدولي، أو حتى إشراكه في أي عملية إعمار في ليبيا، سيكون كارثياً، خاصة في ظل التجارب الفاشلة والكارثية لتدخّل البنك الدولي في الدول النامية، مما يعدّ انتقاصاً للسيادة الوطنية، بل يعد تدخلاً غير معروف العواقب من خلال تجارب في المنطقة مع تدخل البنك الدولي، جميعها غير مشجعة.

وفي محاولة كسب ثقة، حاول البنك الدولي طمأنة مخاوف الليبيين بالتأكيد على التزامه دعم ليبيا من خلال المساعدة الفنية والخدمات التحليلية، إضافة إلى تمويل الصناديق الائتمانية والمنح، وكان قد سبق للبنك الدولي أن نبَّه إلى حاجة ليبيا لإصلاح نظامها الاقتصادي بشكل هيكلي وبشكل عاجل.

الاقتصاد الليبي يعاني المشاكل في التحول من الحالة الريعية إلى الحالة الإنتاجية والصناعية، ولكن رغم المحاولات المختلفة للدفع نحو الإنتاج، أو كما كان يسميه النظام السابق «التحول إلى الإنتاج»، فشلت جميعها؛ لأنها كانت حكومية تدار بنظام شبه «اشتراكي» حكومي بالدرجة الأولى، رغم رفع النظام لشعار عمالي «شركاء لا أجراء»، وسمى العمال منتجين، رغم أنَّهم لم ينتجوا شيئاً يذكر.

الاستثمارات الليبية الخارجية شهدت في البداية طفرة غير مسبوقة لإنعاش الاقتصاد، لدرجة أنَّ ليبيا كانت شريكاً أساسياً في شركة «فيات» الإيطالية للسيارات في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، ولكن سرعان ما تعرضت ليبيا لأزمات اقتصادية جراء مواقفها السياسية والحصار، فباعت حصصها في الاستثمار، وما استمر منها نخرها الفساد الحكومي.

الحكومات الليبية المتعاقبة جميعها لم تسعَ إلى تحسين الوضع الاقتصادي، ولا حتى تطويره وإعادة تهيئة الاقتصاد الليبي للخروج به من حالة «الاقتصاد الريعي»، حيث ما يصرف هو ما يأتي من عوائد النفط من دون أي استثمار يذكر يمكن التعويل عليه للأجيال القادمة، والنهوض بالبنية التحتية التي ينبغي الإسراع فيه، خاصة أن البلاد توقفت زمنياً منذ 2011؛ إذ ظلت الحكومات الليبية المتعاقبة تمارس الصراع السياسي ونهب الأموال، من دون معالجة حالة الاقتصاد الريعي، ما أخّر البلد عن اللحاق بركب التقدم.

بينما يرى خبراء اقتصاد ليبيون أن الأولوية والهدف الأساسي هو ترميم الاقتصاد الليبي وإعادة الاستقرار، وتوحيد سعر صرف الدولار مقابل الدينار؛ لمنع السوق الموازية التي تنهك اقتصاد البلاد بشكل كارثي، في ظل غياب إنتاج محلي قابل للتصدير وإدخال عملة صعبة للبلاد.

ليبيا لا تزال في سنوات الثراء النفطي، رغم كل المشاكل والصراعات القائمة، على العكس من تقارير البنك الدولي، وخاصة تقريره بشأن «ديناميكيات سوق العمل في ليبيا: إعادة الإدماج من أجل التعافي».

دخول البنك الدولي الآن على خط الإعمار كما طلبت حكومة الوحدة الوطنية منتهية الولاية من قبل البرلمان، الذي سحب منها الثقة، سيجعل من البنك الدولي طرفاً في الصراع، فالطلب جاء من هذه الحكومة المنتهية الصلاحية، وهي طرف في الصراع السياسي في مقابل حكومة أخرى كلفها البرلمان الشرعي المنتخب، وبالتالي تدخل البنك الدولي في هذا التوقيت سيعقد الأمور، ولن يسهم في الحل، بل سيصبح جزءاً من الأزمة ناهيك عن سمعة البنك في المنطقة العربية والشرق الأوسط، وإملاءاته على الحكومات، التي ستضطر لنهج السياسات المطلوبة من هذا البنك حتى ولو تعارضت مع مبدأ السيادة.

ليبيا في حاجة لعملية تهيئة اقتصادها وتطويره فعلاً، ولكن ليس البنك الدولي هو الشريك المناسب، خاصة في المرحلة الحالية، حيث تتنازع الشرعية في ليبيا حكومتان ومجلسان وبنكان مركزيان أعلن مؤخراً عن توحيدهما، بالإضافة إلى حالة من التشظي السياسي، مما سيجعل من البنك الدولي «أداة» مغالبة واستقواء لأحد الأطراف، سواء كان البنك الدولي يعلم أو لا يعلم، وهذه الفرضية الأخيرة مستبعدة، ويصبح دخول البنك الدولي إلى ليبيا مجرد فخ يصعب التخلص منه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليبيا وفخ البنك الدولي ليبيا وفخ البنك الدولي



GMT 06:53 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان... شاحنة المتفجرات تجاهل لدروس المرحلة

GMT 06:51 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

ملك الإحساس يتألق مجدداً

GMT 04:57 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

«أم القنابل» وأخواتها.. انتخابيًا!

GMT 04:54 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

مزاعم استفادة مصر من الاتفاق التركى الليبى!!

GMT 04:52 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

ابنك ليس فاشلاً.. ابحث عن فرط الحركة

GMT 04:50 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

الطبقة الوسطى ميزان المجتمع

GMT 04:49 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

أنا أد أبوكى

GMT 04:47 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

الوظيفة كطريق إلى جهنم!

النجمات يتألقن بفساتين سهرة وردية في ختام أكتوبر الوردي

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 08:07 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ
  مصر اليوم - موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ

GMT 15:59 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

نجوى إبراهيم توجه انتقادات لاذعة للفنانات بسبب ملابسهن
  مصر اليوم - نجوى إبراهيم توجه انتقادات لاذعة للفنانات بسبب ملابسهن

GMT 04:02 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

مكملات غذائية شائعة قد تسبب الأرق وتؤثر على جودة النوم
  مصر اليوم - مكملات غذائية شائعة قد تسبب الأرق وتؤثر على جودة النوم

GMT 11:48 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

مايسترو حفل فضل شاكر يكشف سر النظارة الشمسية على المسرح
  مصر اليوم - مايسترو حفل فضل شاكر يكشف سر النظارة الشمسية على المسرح

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 23:07 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 10:12 2019 الأحد ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

شروط وأوراق الحجز في الإسكان الاجتماعي

GMT 15:37 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

مبيعات "تسلا" خلال الربع الأول أقل من التوقعات

GMT 07:30 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

نظام macOS 16 يمنح حواسب آبل ميزات جديدة ومهمة

GMT 14:59 2021 الجمعة ,25 حزيران / يونيو

ضبط 1522 قضية تموينية متنوعة خلال 24 ساعة

GMT 15:09 2021 الأحد ,13 حزيران / يونيو

فوضى الألقاب تجتاح الوسط الفني في مصر

GMT 01:01 2020 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

وفاة حارس مرمى نهضة بركان المغربي السابق

GMT 15:51 2019 الأحد ,15 كانون الأول / ديسمبر

عرض مسرحية «حلم» في ساقية الصاوي الإثنين

GMT 10:20 2019 الخميس ,08 آب / أغسطس

أمينة خليل تحكي كواليس دورها في «الكنز 2»
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt