توقيت القاهرة المحلي 10:52:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

اللغة... هل تفسدها خربشات «فيسبوك»؟

  مصر اليوم -

اللغة هل تفسدها خربشات «فيسبوك»

بقلم : جبريل العبيدي

الدردشة على وسائل التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت لا تصلح معياراً لقياس حجم وقيمة أي لغة في العالم؛ لأن غالبية هذه الدردشات لا تخضع لأي معايير أو مقاييس علمية؛ ولأن غالبية رواد هذه المواقع لا يحسنون كتابة حتى الإملاء؛ ناهيك بابتعادهم عن التزام قواعد اللغة، كما أنَّ لغات العالم جميعها أصابها التغيير، ذلك أنَّ فئات الشباب حول العالم ابتكرت أداة تواصل من رموز وأرقام خاصة بهم في معظم اللغات.

وبالتالي، فسوف تعجز جميع كومبيوترات العالم عن الترجمة والتفسير والربط بين اللهجات المختلفة للغة الواحدة، وهذا ليس مقصوراً على اللغة العربية، بل يشمل غالبية لغات العالم التي تواجه المصير ذاته هي ولهجاتها فيما لو حاولت الخوارزميات الربط بينها والترجمة، ولهذا؛ فإنَّ اللغة العربية واحدة من هذه اللغات العالمية، إلا إنَّ جوهرها لم يمسسه أي تحوير.

ما ظنَّه بعض الكتاب إشكاليةً للغة العربية مع لهجاتها على «فيسبوك»، هي في الواقع قراءة خاطئة وغير منصفة، فالإشكالية ليست في اللغة العربية ولا لهجاتها أو الجمع بينهما، بل تعود في الأصل إلى عجز واضعي قواعد بيانات قواميس الترجمة الإلكترونية وخوارزمياتها على شبكة الإنترنت، خصوصاً تلك التي تستخدمها مواقع التواصل، مثل «فيسبوك». فما ظنَّها البعض إشكاليةً لدى اللغة العربية ولهجاتها، موجودة في الفرنسية والإنجليزية والإيطالية ولهجاتها.

وقياس حجم وقيمة أي لغة ومدى ارتباطها أو تفككها عن لهجاتها، لا يكون عبر خربشات بأخطاء إملائية ونحوية على صفحات التواصل الاجتماعي، بل عبر دراسة نتاجها الأدبي من الشعر والقصة والرواية، ومدى طواعية استيعابها الجديد من العلوم عبر الترجمة والتحويل إلى اللغة الأم من خلال الاشتقاق، وهو الأمر المتوفر في اللغة العربية قبل غيرها من اللغات التي يفتقر بعضها حتى للمثنى والتفريق بين الذكر والأنثى لغوياً، ناهيك بلهجات محكية استخدمت أحرفاً مندثرة داخل المقابر في محاولة لمنافسة العربية، في حين تفتقر إلى أبسط قواعد النحو.

الدردشة عبر الإنترنت باللهجات المحكية لم تضر بالعربية وحدها، فحتى المحادثة باللغة الإنجليزية مثلاً مع شخص يعيش في أسكوتلندا، على سبيل المثال، تختلف تماماً عنها مع شخص جنوب أفريقي، على الرغم من أنها هي اللغة الإنجليزية نفسها، وقد يعود ذلك إلى تعدد اللهجات التي ابتعدت عن اللغة الأم، فاللهجة البريطانية أو اللكنة البريطانية مملوءة بالأحرف العامية وغير المنطوقة.

هناك أكثر من 100 لهجة في بريطانيا، وهذه اللهجات نفسها دخلتها تنويعات جديدة.

المملكة المتحدة على وجه العموم بها الإنجليزية الويلزية، والإنجليزية، والأسكوتلندية الإنجليزية، والإنجليزية الإستوارية، والمانكيونية، واليوروكشورية، والألسترية... وبين كل هذه هناك لهجاتٌ متعددة، وعلى رأسها لهجة «كوكني» اللندنية، ولكنك تدخل لندن الآن فلا تسمع إلا رطانة من كل اللهجات ولا تسمع هذه اللهجة إلا قليلاً. في نيوكاسل وما حولها هناك لهجة «جوردي» الصعبة، ومثلها اللهجة الأسكوتلندية الأصعب، ولا غرابة في ذلك، فهما متجاورتان جغرافياً. وكذلك لهجة «سكاوس» الليفربولية، ولهجة «برومي (من برمنغهام)»... وهناك لهجات أخرى لا يتسع المجال لذكرها. ورغم هذا؛ فإن لغة «بي بي سي» أو ما تسمى «بوش إنجليش» تبقى هي المعيار. مثلما عندنا من تعدد اللهجات، لكن تبقى العربية الفصحى هي المعتمدة؛ لأنَّها هي الجامعة.

فاللغة ليست مجرد كلمات، بل تحمل خلفية ثقافية تعكس طريقة التفكير والتواصل، ولهذا؛ فاختلاف تجربة الدردشة بين شخص من أسكوتلندا وآخر من جنوب أفريقيا، وكذلك بين هندي وعربي مشرقي أو مغربي رغم أن اللغة المشتركة هي الإنجليزية، يعود إلى تنوع اللهجات واللكنات، فاللغة الإنجليزية ليست موحدة في نطقها أو مفرداتها، بل تتأثر بالثقافة المحلية، والتاريخ، وحتى باللغات الأخرى التي اختلطت بها.

نشر موقع قناة «بي بي سي» تقريراً صحافياً استقصائياً حمل عنوان: «الناطقون بالإنجليزية (كلغة) أُمّ أسوأ من يتواصل مع الآخرين في العالم»؛ مما يدحض ادعاء أن الأزمة اللغوية مقصورة على «العربية»، بل العكس تماماً، فتماسك اللغة العربية وقربها من لهجاتها كان واضحاً طيلة قرون حتى زمن الاستعمار والاستلاب الثقافي، بل وأظهرت تماسكاً لغوياً مبيناً.

ولعل المفكر العربي إدوارد سعيد لم يخطئ عندما قال: «تسكن اللغة قلب هوية الشعوب ومقاومتها المشاريع الكولونيالية، غير أنَّ العربي يتميز بخصوصية بين اللغة الكلاسيكية ولهجات محلية؛ أحياناً غير مفهومة من قبل بعضها البعض، فهل بوسعنا أن نصنع من هذه الثنائية غنى وقوة؟»، سؤال مهم يطرحه المفكر العربي الراحل، الذي كان عروبياً في غربته ولم يفقد هويته كما فقدها غيره بتأثير «عقدة الخواجة».

وشيوع الكتابة الخاطئة على مواقع التواصل الاجتماعي من دون تصحيح يجعل الخطأ مألوفاً كأنَّه هو الصحيح، مثل الخلط بين التاء المربوطة والهاء، أو الألِفَيْن المقصورة والممدودة.

وأيضاً انتشار الكتابة والتعبير بالعامية والاعتماد على اللهجات المحكية بدل الفصحى يقلل من ممارسة اللغة السليمة إذا استمر الأمر من دون معالجة. ورغم هذا، فإنَّ اللهجات العربية تتقارب الآن شيئاً فشيئاً بعضها من بعض؛ نتيجة المراسلات المتبادلة عبر هذه الوسائط الاجتماعية، وهذا يحسب لها.

اللغة العربية ولهجاتها تبقى أشد تقارباً وتماسكاً من غيرها من لغات العالم التي تفككت واندثرت ولم تعد قابلة للبقاء والاستخدام وتلاشى ذكرها في أمهات الكتب، رغم أنَّ بعضها عاصر العربية في ظهورها، لكنه اندثر... وبقيت العربية حيَّة ويزداد عدد مستخدميها باستمرار.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

اللغة هل تفسدها خربشات «فيسبوك» اللغة هل تفسدها خربشات «فيسبوك»



GMT 06:53 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان... شاحنة المتفجرات تجاهل لدروس المرحلة

GMT 06:51 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

ملك الإحساس يتألق مجدداً

GMT 04:57 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

«أم القنابل» وأخواتها.. انتخابيًا!

GMT 04:54 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

مزاعم استفادة مصر من الاتفاق التركى الليبى!!

GMT 04:52 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

ابنك ليس فاشلاً.. ابحث عن فرط الحركة

GMT 04:50 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

الطبقة الوسطى ميزان المجتمع

GMT 04:49 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

أنا أد أبوكى

GMT 04:47 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

الوظيفة كطريق إلى جهنم!

النجمات يتألقن بفساتين سهرة وردية في ختام أكتوبر الوردي

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 15:59 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

نجوى إبراهيم توجه انتقادات لاذعة للفنانات بسبب ملابسهن
  مصر اليوم - نجوى إبراهيم توجه انتقادات لاذعة للفنانات بسبب ملابسهن

GMT 04:02 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

مكملات غذائية شائعة قد تسبب الأرق وتؤثر على جودة النوم
  مصر اليوم - مكملات غذائية شائعة قد تسبب الأرق وتؤثر على جودة النوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 23:07 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 10:12 2019 الأحد ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

شروط وأوراق الحجز في الإسكان الاجتماعي

GMT 15:37 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

مبيعات "تسلا" خلال الربع الأول أقل من التوقعات

GMT 07:30 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

نظام macOS 16 يمنح حواسب آبل ميزات جديدة ومهمة

GMT 14:59 2021 الجمعة ,25 حزيران / يونيو

ضبط 1522 قضية تموينية متنوعة خلال 24 ساعة

GMT 15:09 2021 الأحد ,13 حزيران / يونيو

فوضى الألقاب تجتاح الوسط الفني في مصر

GMT 01:01 2020 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

وفاة حارس مرمى نهضة بركان المغربي السابق

GMT 15:51 2019 الأحد ,15 كانون الأول / ديسمبر

عرض مسرحية «حلم» في ساقية الصاوي الإثنين

GMT 10:20 2019 الخميس ,08 آب / أغسطس

أمينة خليل تحكي كواليس دورها في «الكنز 2»
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt