توقيت القاهرة المحلي 10:52:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أرض الصومال وتمزيق الأصل

  مصر اليوم -

أرض الصومال وتمزيق الأصل

بقلم: جبريل العبيدي

بعد أكثر من ثلاثة عقود على انفصال المنطقة الأفريقية عن الصومال، أصبحت إسرائيل الدولة الأولى التي تعترف بإقليم «أرض الصومال» الانفصالي في الصومال، بعد أن أصبح القرن الأفريقي في سلّم الأولويات الإسرائيلية، من خلال تعزيز الحضور البحري والاستخباراتي في محيط البحر الأحمر، الأمر الذي يعدّ استراتيجية بحرية أعلنها معهد الأمن القومي الإسرائيلي على لسان مدير شعبة الاستخبارات العسكرية السابق تامير هايمان، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

فإقليم «أرض الصومال» يتمتع بموقع جغرافي يمتد إلى سواحل عدن، ويطل على مضيق باب المندب، أحد أهم منافذ التجارة العالمية، ولهذا يعدّ مطمعاً إسرائيلياً استراتيجياً حتى وإن تغلف بثوب آخر، فـ«أرض الصومال» (صومالي لاند) هي منطقة أعلنت استقلالها عن الصومال عام 1991، لكنها لم تحظَ باعتراف دولي رسمي حتى جاء اعتراف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للتوظيف السياسي ودق إسفين في خاصرة البحر الأحمر والقرن الأفريقي.

الخطوة الإسرائيلية تعدّ توظيفاً سياسياً واقتصادياً وحتى استراتيجياً لتل أبيب رغم أنها مخالفة صريحة للقانون الدولي الذي ينص على (احترام سلامة الأراضي والاستقلال السياسي للدول) وأن الأولوية لسيادة الدول ووحدة أراضيها، وتعدّ هذه الخطوة الإسرائيلية تدخلاً سافراً في سيادة واستقرار منطقة مهمة في القرن الأفريقي وسواحل البحر الأحمر وتهدد السلم في المنطقة وتجعلها في حالة من التوتر وعدم الاستقرار.

في حين كشفت «القناة 14» الإسرائيلية عن سبب اعتراف إسرائيل الرسمي بجمهورية «أرض الصومال»، وأنه يأتي في مقابل موافقة «أرض الصومال» على استقبال سكان من قطاع غزة، ولكن الحقيقة تتجاوز هذا المشروع، فالبحر الأحمر كان دائماً موجوداً في الحسابات الإسرائيلية، التي قد تتعارض شكلاً مع الحسابات الأميركية، خصوصاً بعد أن أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، رفضه الاعتراف بـ«أرض الصومال»، إذ أجاب ترمب بـ«لا» عندما سئل في مقابلة مع صحيفة «نيويورك بوست»، إن كان سيحذو حذو إسرائيل ويعترف بها، فأجاب متسائلاً: «هل يعرف أحد ما هي أرض الصومال، حقاً؟». ولكنه أضاف أن «كل شيء قيد الدراسة»، ما جعل الباب موارباً نحو أي تغير في الموقف الأميركي لحساب إسرائيل طبعاً، لأنه فعلاً لا أحد يعرف ما هي «أرض الصومال» بوصفها دولة مستقلة ذات سيادة، وما جغرافية ومساحة أرضها؟

وبعيداً عن موقف ترمب الموارب والقابل للتغير وفق قوله: «كل شيء قيد الدراسة»، أكد الاتحاد الأوروبي في المقابل احترام سيادة الصومال ووحدة أراضيه، كما أعلنت المملكة العربية السعودية موقفاً واضحاً برفض الاعتراف بإقليم «أرض الصومال»، مؤكدة دعمها الكامل لسيادة الصومال ووحدة وسلامة أراضيه، وكذلك كان موقف الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي.

«أرض الصومال» في حقيقتها هي دولةٌ مُجتزأة من جسد دولة ذات سيادة معترف بها دولياً وهي الصومال، وقد تم تبرير الاجتزاء والانفصال بأنهما وسيلة استرداد للحقوق ورفع المظالم، لكن هناك أمثلة كثيرة لدول انقسمت عن أصلها ولم تسترد حقوقها ولا رفعت المظالم ولا نجحت في التنمية، ولعل انفصال جنوب السودان مثَلٌ قريب، فالفرق شاسع بين المطالبة بالحق، وتمزيق الوطن، فلا يقوم استرداد الحقوق على انقسام وتفكيك وتفتيت الأوطان، فكثير من الصوماليين يعدّون الانفصال «خيانة للوحدة الوطنية»، بينما يرى آخرون أن الاستقلال هو «حق تقرير المصير» بعد عقود من الصراع.

رغم توحّد الشمال والجنوب عام 1960 في جمهورية الصومال، فإن وجود هويتين سياسيتين متباينتين منذ أواخر القرن التاسع عشر - شمال تحت الإدارة البريطانية (الصومال البريطاني)، وجنوب تحت الإدارة الإيطالية (الصومال الإيطالي) - كان عائقاً أمام الوحدة الشاملة التي كان من الممكن معالجتها بالنظام الفيدرالي، وليس هناك مبرر للانفصال، فالكثير من الدول خضعت لنظامين سياسيين لسنوات ولكنها عادت للوحدة، والمثال الأبرز هو ألمانيا التي قسمت قسراً بعد هزيمة هتلر إلى غربية وشرقية، ورأسمالية واشتراكية، وقسمت عاصمتها بجدار برلين لسنوات طوال، ولكنها عادت لتتوحد بعزيمة أهلها، وغيرها الكثير من الدول المتماسكة بقوميات بل وبلغات مختلفة مثل سويسرا، ولهذا لا يعدّ وجود هويتين سياسيتين لشعب واحد مبرراً للانقسام والتشظي، والجري خلف الوهم، لدرجة الخيانة للوطن.

بينما هناك من يرى كلمة «خيانة الأصل الصومالي»، وجهة نظر سياسية حادة ومتطرفة، وهناك من يرى أن الانفصال حل ولا يضر بالوحدة القومية، وهؤلاء القلة أما إذا كنت من زاوية الهوية أو التاريخ، والتعمق في جذور الخلاف بين مقديشو وهرجيسا، فيختلف الأمر، فالقضية من هذا المنظور ليست مجرد «خيانة» أو «وفاء»، بل صراع بين الوحدة القومية وحق تقرير المصير.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أرض الصومال وتمزيق الأصل أرض الصومال وتمزيق الأصل



GMT 06:53 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان... شاحنة المتفجرات تجاهل لدروس المرحلة

GMT 06:51 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

ملك الإحساس يتألق مجدداً

GMT 04:57 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

«أم القنابل» وأخواتها.. انتخابيًا!

GMT 04:54 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

مزاعم استفادة مصر من الاتفاق التركى الليبى!!

GMT 04:52 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

ابنك ليس فاشلاً.. ابحث عن فرط الحركة

GMT 04:50 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

الطبقة الوسطى ميزان المجتمع

GMT 04:49 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

أنا أد أبوكى

GMT 04:47 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

الوظيفة كطريق إلى جهنم!

النجمات يتألقن بفساتين سهرة وردية في ختام أكتوبر الوردي

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 15:59 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

نجوى إبراهيم توجه انتقادات لاذعة للفنانات بسبب ملابسهن
  مصر اليوم - نجوى إبراهيم توجه انتقادات لاذعة للفنانات بسبب ملابسهن

GMT 04:02 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

مكملات غذائية شائعة قد تسبب الأرق وتؤثر على جودة النوم
  مصر اليوم - مكملات غذائية شائعة قد تسبب الأرق وتؤثر على جودة النوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 23:07 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 10:12 2019 الأحد ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

شروط وأوراق الحجز في الإسكان الاجتماعي

GMT 15:37 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

مبيعات "تسلا" خلال الربع الأول أقل من التوقعات

GMT 07:30 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

نظام macOS 16 يمنح حواسب آبل ميزات جديدة ومهمة

GMT 14:59 2021 الجمعة ,25 حزيران / يونيو

ضبط 1522 قضية تموينية متنوعة خلال 24 ساعة

GMT 15:09 2021 الأحد ,13 حزيران / يونيو

فوضى الألقاب تجتاح الوسط الفني في مصر

GMT 01:01 2020 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

وفاة حارس مرمى نهضة بركان المغربي السابق

GMT 15:51 2019 الأحد ,15 كانون الأول / ديسمبر

عرض مسرحية «حلم» في ساقية الصاوي الإثنين

GMT 10:20 2019 الخميس ,08 آب / أغسطس

أمينة خليل تحكي كواليس دورها في «الكنز 2»
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt