توقيت القاهرة المحلي 10:52:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

المصالحة الليبية وعَقبة الماضي والحاضر

  مصر اليوم -

المصالحة الليبية وعَقبة الماضي والحاضر

بقلم : جبريل العبيدي

مما يعوق المصالحة الوطنية قبل السياسية في ليبيا، هو ماضي انقلاب سبتمبر (أيلول) عام 1969، وحاضر ثورة فبراير (شباط) عام 2011، المؤلمان لجميع الأطراف، في ظل انقسام شديد بين مؤيدي الطرفين، واتهام كل طرف للآخر بأنه السبب في ضياع البلاد وهيبتها.

فالأمم المتحدة التي تقود الحل في ليبيا، مشكلتها في عجزها في تشخيص الأزمة الليبية بالشكل الصحيح، وبالتالي صعوبة تمكُّنها من العلاج الشافي وسعيها للمصالحة السياسية وإهمال المصالحة الوطنية؛ ظناً منها أنهما حالة واحدة، وهنا يكمن التشخيص الخاطئ، فالمتخاصمون السياسيون ليسوا بالضرورة يمثلون الوطنيين، فتغييب المصالحة الوطنية على حساب السياسية هو أول أخطاء البعثة الدولية، ناهيك بإهمالها التمثيل الحقيقي للشعب الليبي، إذ تمسكت البعثة الدولية بجمع المتخاصمين على كراسي الحكم وأهملت الشعب والقبائل الممثلين الحقيقيين لليبيين الذين لم يعرفوا أي تجربة حزبية تُذكَر في تاريخهم السياسي.

المصالحة السياسية والمصالحة الوطنية تبدآن حيث انتهت الحرب وتوقَّف القتال وسكتت البنادق والمدافع، وجلوسُ الليبيين على طاولة واحدة من دون غالب أو مغلوب هو الحل، فالمصالحة الوطنية بين الأطياف المختلفة في البلاد تبدأ بجبر الضرر وإعادة الحقوق إلى أصحابها.

في ظل أي مشروع مصالحة، سواء سياسية أم وطنية حقيقية، لا يمكن تجاهل أنصار النظام السابق؛ كونهم جزءاً مهماً من المكونات السياسية الليبية كأنصار «ثورة فبراير» وأنصار الملكية، وبالتالي لا يمكن تحقيق مصالحة سياسية بتغييب أي طرف سياسي ما دام الهدف من المصالحة السياسية هو تحقيق مصالحة وطنية كخطوة متقدمة، فالبدء بالمصالحة السياسية خير من تحويل الأزمة الليبية إلى درس في الرياضيات، مرة كاتفاق 8+8، وتارة 5+5، وأخيراً اتفاق 4+4، مع التمني بالنجاح له للخروج من الأزمة الليبية نهائياً.

في ليبيا، اليوم، هناك صراع وحنين وجداني كبير بين مَن يناصر حراك فبراير 2011 الذي أطاح بالعقيد معمر القذافي ونظام جماهيريته الغريب والفريد، وبين مَن يحنّ إلى الانقلاب العسكري في سبتمبر 1969 الذي سُمي بثورة الفاتح.

والحقيقية الراسخة لا «سبتمبر العقيد» حقق الرفاهية للشعب الليبي، ولا حتى «ثورة فبراير» التي قتلت العقيد حققت ما عجز العقيد عن تحقيقه، إذ أصبحت ليبيا محكومة من الكليبتوقراطيين.

في المقابل، فشلت «ثورة فبراير» حتى في تأسيس ثقافة التداول السلمي للسلطة على أنه مبدأ ديمقراطي، طيلة السنوات العجاف الماضية؛ حيث بقي في السلطة مَن انتخبوا في حينه، ولا يزالون يحكمون بعد عشر سنوات ونيّف بمسمّيات وكيانات سياسية غير منتخَبة.

«ثورة فبراير» كانت للأسف مُثخنة ومضرّجة بالدماء والقتل والتفجير وانتشار الجريمة والخطف والاختفاء القسري، وغياب الخدمات، حتى فاقت عهد انقلاب القذافي في عدد النزوح والتهجير ونوعية الضحايا ونَصب المشانق في الميادين للمعارضين بعد أن صبغتها «داعش» وأخواتها بالذبح، وبينما ربط العالم شهر فبراير بالحب (الفالنتاين)، ارتبط فبراير ليبيا بالأوجاع والدماء والتهجير والنزوح.

حقبة حكم القذافي لم تكن مثالية، قد يختلف معها الكثيرون بما لها وما عليها، إلا أنه في حقيقة الأمر كان العقيد حاكماً لليبيا طيلة 42 عاماً ويُعد الرئيس الليبي الممثل لها في المحافل الدولية، وبالتالي حان وجوب دفنه بطريقة لائقة إسلامياً وعربياً ورسمياً ضِمن جنازة رسمية تطوي صفحة الماضي بين جميع الليبيين، بدلاً من إخفاء قبره إلى الآن، مما عرقل المصالحة الوطنية، وخصوصاً مع أنصاره، رغم أن وجهة نظر معارضيه تطالب بمقابر الذين أعدمهم القذافي ولا قبور لهم حتى الآن.

ولهذا التاريخ المثخن بالجراح والدماء والقبور المجهولة، يبقى النموذج الجنوب أفريقي هو الأقرب لمعالجة الحالة الليبية عن غيرها من النماذج، حتى وإن كان البعض يرى النموذج اللبناني بعد حرب أهلية هو الأقرب، لكنني أختلف معهم في هذه المقاربة؛ لكون النموذج اللبناني كانت الحرب فيه لأسباب طائفية، الأمر الذي يُعد مختلفاً في الحالة الليبية.

لكن بعد مرور قرابة ستين عاماً على انقلاب سبتمبر 1969 ومرور أكثر من خمس عشرة سنة على «ثورة فبراير»، أصبح أغلب الليبيين يؤمنون بأن «انقلاب سبتمبر» انتهى، و«ثورة فبراير» فشلت في أن تكون ثورة تغيير إلى الأفضل، وتحولت مجرد فوضى ونهب وإهدار للمال العام، بعد أن تمكنت منها وتمتطيها جماعات الإسلام السياسي بقيادة «الإخوان» لا يؤمنون بالدولة الوطنية ولا بجغرافيا ليبيا.

ليبيا، اليوم، محتاجة لنسيان أوجاع «سبتمبر وفبراير» معاً، وما زال هناك متسع من الوقت لجمع الليبيين بعيداً عن القتال والخصام والانقسام، وتحقيق مصالحة وطنية تحقق استقراراً سياسياً، فالليبيون يستحقون حياة أفضل من التي يعيشونها اليوم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المصالحة الليبية وعَقبة الماضي والحاضر المصالحة الليبية وعَقبة الماضي والحاضر



GMT 06:53 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان... شاحنة المتفجرات تجاهل لدروس المرحلة

GMT 06:51 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

ملك الإحساس يتألق مجدداً

GMT 04:57 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

«أم القنابل» وأخواتها.. انتخابيًا!

GMT 04:54 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

مزاعم استفادة مصر من الاتفاق التركى الليبى!!

GMT 04:52 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

ابنك ليس فاشلاً.. ابحث عن فرط الحركة

GMT 04:50 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

الطبقة الوسطى ميزان المجتمع

GMT 04:49 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

أنا أد أبوكى

GMT 04:47 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

الوظيفة كطريق إلى جهنم!

النجمات يتألقن بفساتين سهرة وردية في ختام أكتوبر الوردي

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 15:59 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

نجوى إبراهيم توجه انتقادات لاذعة للفنانات بسبب ملابسهن
  مصر اليوم - نجوى إبراهيم توجه انتقادات لاذعة للفنانات بسبب ملابسهن

GMT 04:02 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

مكملات غذائية شائعة قد تسبب الأرق وتؤثر على جودة النوم
  مصر اليوم - مكملات غذائية شائعة قد تسبب الأرق وتؤثر على جودة النوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 23:07 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 10:12 2019 الأحد ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

شروط وأوراق الحجز في الإسكان الاجتماعي

GMT 15:37 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

مبيعات "تسلا" خلال الربع الأول أقل من التوقعات

GMT 07:30 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

نظام macOS 16 يمنح حواسب آبل ميزات جديدة ومهمة

GMT 14:59 2021 الجمعة ,25 حزيران / يونيو

ضبط 1522 قضية تموينية متنوعة خلال 24 ساعة

GMT 15:09 2021 الأحد ,13 حزيران / يونيو

فوضى الألقاب تجتاح الوسط الفني في مصر

GMT 01:01 2020 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

وفاة حارس مرمى نهضة بركان المغربي السابق

GMT 15:51 2019 الأحد ,15 كانون الأول / ديسمبر

عرض مسرحية «حلم» في ساقية الصاوي الإثنين

GMT 10:20 2019 الخميس ,08 آب / أغسطس

أمينة خليل تحكي كواليس دورها في «الكنز 2»
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt