بقلم:أمينة خيري
أحيانًا، يكشف لنا الرحيل مكانة لم نكن ندركها، أو حبًا لم نكن على دراية به، أو احترامًا وتقديرًا لا يشغلا البال كثيرًا طالما الشخص على قيد الحياة. قد يحدث هذا مع قريب أو صديق أو جار، وكذلك مع شخصية عامة تعمل بالسياسة أو الفن أو غيرهما.
لم أكن ممن يستمعون لأغنيات الفنان الراحل هانى شاكر. أحب صوته كثيراً، وأعرف أنه صوت جميل، لكن الناس فيما يعشقون مذاهب. ورغم ذلك، كنت أحرص على متابعة لقاءاته التلفزيونية، وكذلك مواقفه وقت كان نقيباً للمهن الموسيقية.
أتذكر إلى حد ما أجواء عرض مسرحية «سندريلا والمداح»، وهمس صديقات شقيقتى الكبرى حول الممثل المغنى الوسيم الذى خطف قلوبهن بوسامته. ومضت السنوات والعقود، وهانى شاكر جزء أصيل من تفاصيل الحياة. كثيرون يعشقون صوته وأغنياته، وآخرون يعشقون أصوات آخرين، ولكن لا أتذكر أن أحداً يوماً شكك فى حلاوة صوته، أو موهبته. والأهم من ذلك، لم يختلف على التزامه الأخلاقى والسلوكى، ورقى تعامله اثنان. مهذب، راق، هادئ، ذكى، لا يحرج أحداً أو يطعن فى زميل أو يسخر من فنان.
وحين واجه بطريقته الخاصة منظومة «المهرجانات»، انقسمت الآراء والمواقف بين مؤيد لمحاولاته وقف الطوفان، ومعارض لأسباب شتى تتراوح بين الإعجاب بهذا النوع من الموسيقى والأداء، أو رفض المنع والإيقاف باعتبارهما طرق غير مثلى لتطهير الذوق وتنقيح الفن. وحتى فى هذه المواجهات الساخنة، لا أتذكر أنه جرح أو أهان أو طعن فى سمعة أو كرامة أحدهم. حتى حين أطلق البعض إشاعة أنه يغار من أحد الممثلين الذى اتجه إلى المهرجانات كذلك لـ«حلاوة» صوته، لم يغضب أو يثور، بل رد بهدوء قائلاً إن ما يقدمه الممثل من «طرب» يختلف عما يقدمه هو. ولو كنت مكانه لأصبت بانهيار عصبى لمجرد عقد المقارنة.
ويظل هانى شاكر، الفتى الوسيم، جزءًا من الحياة، إلى أن يفقد ابنته فى ريعان شبابها. تابعته فى حزنه الرهيب والعميق، واحتضانه لحفيديه، ومضى الحياة قدمًا، ولكن آثار الجرح باقية لا يخطئها قلب.
وما لا يخطئه القلب والعين والعقل مواقفه الوطنية، بالمعنى الخام للوطنية حيث الانتماء وحب الوطن والخوف عليه من كل مكروه وقبيح وبغيض وخبيث ومقيت. موقفه من جماعات الإتجار بالدين، ومحترفى تفتيت الأوطان باسم الإيمان، ومعتنقى التطرف والكراهية والفتنة أغضبهم. وهو الغضب المتوقع من هؤلاء، والذى عبر عن نفسه سمومًا وقبحاً فى تعليقاتهم الدميمة والكريهة على رحيله، وهذا بالطبع متوقع منهم.
رحل هانى شاكر لنكتشف مجددًا قدر الحب الذى نحمله له، ولما يمثله. تركيبة إنسانية محببة إلى النفس السوية، موهبة فنية، كاريزما من نوع خاص، توليفة أخلاق وسلوك يعلم الكثيرون أنها مرتبطة بزمن يلملم ما تبقى له من متعلقات ويرحل مفسحاً المجال لزمن آخر، بتركيبة وتوليفة وقواعد مختلفة تمامًا.
سلام ومحبة واشتياق واحترام لهانى شاكر وزمنه.