توقيت القاهرة المحلي 06:01:18 آخر تحديث
  مصر اليوم -

المأزق التركي

  مصر اليوم -

المأزق التركي

بقلم : عبد المنعم سعيد

لا أحد يتعلم من دروس التاريخ، ولا يوجد درس يمكن تعلّمه في الشرق الأوسط أكثر أهمية من درس معروف للمؤرخين، وهو أنه من الممكن أن تبدأ حرباً، لكن نهايتها سوف تكون مقدرة بأقدار أخرى. أكثر من ذلك، فإن حروب الإقليم لا تنتهي وإنما يطول أمدها، فلا الحرب في الصومال انتهت، ولا حرب أفغانستان، ولا حرب سوريا، ولا حرب اليمن وصلت إلى نهاية. الحروب في المنطقة تخلق آليات استمرارها، بالتدخلات الأجنبية، أو بالانتقال من الريف إلى المدن، أو من البر إلى البحر، أو باستخدام أساليب الحروب التقليدية، أو حروب العصابات، أو حروب المدن، أو الحروب الإرهابية.
أشكال مختلفة من القتل وأدواته ومن أكثرها تقدماً تكنولوجياً إلى أكثرها بدائية، ومن الفيالق والفرق حتى الذئاب المنفردة. تركيا هي آخر الذين لا يتعلمون، ومن المدهش أنها بالفعل متورطة في ثلاث حروب: واحدة داخلها مع الأكراد، وثانية في العراق مع الأكراد أيضاً، وثالثة في الشمال السوري التي خلقت لنفسها مصيدة فيه، وهي الآن فريسة لجماعات إرهابية لا تعرف كيف تتعاون معها أو تحاربها أو تقوم بالتعاون والحرب في الوقت نفسه، لكنها من ناحية أخرى باتت في مصيدة أخرى للأكراد، وهدفاً للنظام السوري، وغرضاً للوجود الروسي. ما ذكرته تركيا فيما يخص هذه الجبهة الأخيرة، أنها سوف تخلق منطقة آمنة تمنع الأكراد من الاستقلال، وتدفع إليها ملايين اللاجئين الذين يعيشون في الجنوب التركي، وتقوض أكراد تركيا من الداخل السوري! ما جرى عملياً هو أن المنطقة الآمنة باتت أقل أمناً من أي وقت مضى؛ وأصبحت القوات التركية صيداً لهجمات جماعات إرهابية طالما ساعدتها أنقرة على المرور والتسلح بالسلاح والمؤن، وأكثر من ذلك أن العنف الشديد في الإقليم غير الآمن دفع ربع مليون لاجئ سوري جديد إلى تركيا. وكأن كل ذلك كافٍ، فإن تركيا اندفعت 2000 كيلومتر لكي تصل إلى ليبيا، أو الشمال الغربي لليبيا، وتوقع مع حكومة «الوفاق» في طرابلس اتفاقاً بحرياً يرسم حدوداً بحرية لما هو غير موجود، حيث لا يوجد شواطئ متقابلة؛ ومعه اتفاق أمني يتيح لتركيا نقل مساعدات عسكرية والتدخل المباشر على الأراضي الليبية.
هل تريد تركيا الحرب في جبهة رابعة مخالفة درس التاريخ الآخر الذي يرفض الحرب على جبهتين، لكن إردوغان يأخذ تركيا إلى مأزق حرب على أربع جبهات. لم يعد هناك مكان لما كان في عقد سبق «صفر صراع»، وإنما بات التفضيل للصراع على كل الجبهات. وهذه المرة، فإن الجبهة بعيدة، ووفقاً لمراقبين عدة فإن المطالب متعارضة بين الوفاق وأنقرة، فمن الناحية العسكرية البحتة فإن طرابلس لا يكون لها في الاتفاق الأمني فائدة ما لم يكن هناك قوات على الأرض، البعض قدّرها بلواء كامل بكل ما يلزمه من عدد وعتاد قد يصل إلى 3000 جندي، ومعه غطاء جوي وآخر بحري. من دون ذلك، فإن تحقيق تكافؤ وتوازن القوة مع الجيش الوطني الليبي لن يكون ممكناً، وسوف يظل ضغط هذا الأخير قائماً. في بداية القصة العسكرية الجديدة كان الظن الإردوغاني قد ذهب في اتجاه نوع من الوجود العسكري بإمداد للسلاح، وبعضاً من عشرات المدربين، لكن ذلك لم يكن ليغني شيئاً لحكومة السراج المضغوطة، ومن ثم كانت محاولة الوصول إلى تونس، والادعاء بأن ائتلافاً تركياً – تونسياً - جزائرياً يتكون، لكن الحكومة التونسية والشعب التونسي أحبط المحاولة. من الناحية العملية والعسكرية، فإن تركيا لا يوجد لديها لا من الإمكانات الجوية أو البحرية ما يجعلها تصل إلى ليبيا من دون أن يتزايد انكشافها سواء في البحر المتوسط أو في الأجواء المتوسطية التي لا يمكن للطيران التركي عبورها من دون عمليات تموين جوية مستمرة.
كل ما سبق يشكل مكونات المأزق التركي الحالي الذي تتصرف فيه تركيا كما لو كانت ليس كقوة إقليمية متوسطة، وإنما كقوة عظمى واسعة الإمكانات العسكرية والاقتصادية. السؤال هو إذا كانت كل القدرات التركية مستنفذة بالفعل، فلماذا تفعل القيادة التركية ما تفعل، وهو أنها تزداد تورطاً كل يوم، ولا تعمل على الخروج من أزمات وضعت نفسها فيها، وإنما تضيف أزمات جديدة؟
الإجابة عن ذلك هي أن هناك هدفين كلاهما له طبيعة استراتيجية: الأول مد النفوذ التركي الاستراتيجي في المنطقة، وهو ما يجعل التحرك نحو ليبيا امتداداً للحركة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، والآن جاء وقت البحر المتوسط. والآخر اقتصادي، وهو أن يكون لتركيا مكان في إقليم شرق البحر المتوسط الخاص بالغاز والنفط بالشروط التركية وليس بالشروط التي يقررها قانون البحار. فتركيا تقوم برسم الحدود البحرية مع دولة غير متشاطئة معها، ولا حتى متشاطئة مع قبرص التركية التي لا يعترف بها أحد سوى تركيا، ومن ثم فإن أنقرة تعتبرها عملياً جزءاً من الإقليم التركي. كلا الهدفين أكبر بكثير من القدرات التركية، وأكثر من ذلك فإنها تدفع المأزق التركي إلى التمدد والاتساع. من ناحية، فإن التمدد التركي في البحر المتوسط يضع تركيا في تلامس مع روسيا المؤيدة للجيش الوطني الليبي والتي لا تريد اتساع نطاق الحرب في ليبيا، وكل ما تريده هو وقف إطلاق النار. في هذا الإطار، فإن استعداء روسيا في ليبيا لا يتماشى مع محاولة لائتلاف معها في سوريا؟ ومن ناحية أخرى، فإن التحركات العسكرية التركية سوف يكون عليها الوجود في بحر إيجة، حيث التناقضات مع اليونان كبيرة وتاريخية؛ وبإشعال النار في منطقة شرق البحر المتوسط، فإن ذلك يدخل في مواجهة مع مصر ودول منتدى شرق البحر الأبيض المتوسط، بل وأكثر من ذلك ربما مع دول مثل إسرائيل وقبرص واليونان التي اتفقت على إقامة خط أنابيب لنقل الغاز إلى أوروبا عبر قبرص وغرب اليونان ومنها إلى إيطاليا، من خلال خط أنابيب «بوسايدون».
أوروبا من وراء ذلك سوف يكون عليها تحديد موقف من التدخل العسكري التركي الذي يعمق من معضلة اللاجئين والمهاجرين إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، ولا تصبح هناك فائدة من المساندة الأوروبية الاقتصادية لتركيا من أجل منع هؤلاء من القدوم عبر الحدود التركية، فكما رأينا أعلاه، فإن تركيا بالفعل تزيد من مخزون اللاجئين لديها بسبب تصرفاتها على الأراضي السورية، وها هي تدفع في اتجاه تفجير الموقف تجاه الساحل الأفريقي والسواحل الأوروبية.
الجائز هو أن أوروبا، وفي المقدمة منها ألمانيا وفرنسا وإيطاليا وبريطانيا، ومعهم بقية حلف الأطلنطي، وفي المقدمة منه توجد الولايات المتحدة، سوف تلعبان دور المرجح في اللعبة التركية، وعما إذا كانت ستترك لكي تمضي قدماً بهدف استنفاد قوة الدفع التركية في صراع جديد؛ أو أنها وخاصة واشنطن سوف تنظر إلى خريطة الشرق الأوسط من الزاوية الإيرانية؛ فطهران هي الأخرى دفعت حظوظها قدماً بما تفعله في العراق حتى وصلت إلى أسوار السفارة الأميركية في بغداد!

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المأزق التركي المأزق التركي



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt