توقيت القاهرة المحلي 06:48:15 آخر تحديث
  مصر اليوم -

خوفو والسحرة

  مصر اليوم -

خوفو والسحرة

بقلم: دكتور زاهي حواس

تعد البردية المعروفة ببردية «وستكار» واحدة من أشهر البرديات الأدبية من مصر الفرعونية. تحتوى البردية على مجموعة من القصص التى دارت أحداثها فى زمن ملوك عظام من الدولة القديمة المعروفة بـ«عصر بناة الأهرامات»، ومن هؤلاء الملوك وربما أشهرهم الملك خوفو، صاحب الهرم الأكبر. وتُعرف هذه القصص أحيانًا باسم «خوفو والسحرة»، لأنها تجمع بين التاريخ والأدب والخيال إضافة إلى السحر. وتكشف لنا جانبًا مهمًا من حياة المصريين القدماء، بل وتجيب عن سؤال مهم، وهو كيف كان أجدادنا يمضون وقتهم وأمسياتهم؟ ليتضح لنا أن رواية الحكايات الخيالية وتلك التى تمزج الحقيقة بالخيال كانت من متع الحياة فى مصر القديمة، ولهذا السبب قلت من قبل إن قصص ألف ليلة وليلة هى اختراع مصرى أصيل.

كُتبت هذه البردية فى عصر الدولة الوسطى، وتحديدًا فى الأسرة الثانية عشرة نقلًا عن مصدر أو بردية أقدم.. تدور الأحداث فى بلاط الملك خوفو وتبدأ بأن الملك خوفو فى إحدى الليالى كان يشعر بالأرق فقام باستدعاء أبنائه لكى يتجاذب معهم الحديث لعله يجد عندهم ما يسرى عنه. وبالفعل أخذ الأمراء يبارون فى قص ما يعرفونه من غرائب الحوادث، وعجائب الزمن.

وكان من بين تلك القصص قصة الساحر العظيم «جدى»، الذى كان يعيش فى زمن الملك خوفو، وقد بلغ من العمر مائة وعشر سنوات ومع ذلك فهو رجل خارق يأكل كل يوم 500 رغيف من الخبز الطازج ونصف ثور مشوى (على الرغم من وجود أدلة أن الفراعنة كانت لديهم وصفات عديدة لطهى اللحم، منها اللحم المسلوق فى المرق)، ويشرب جدنا الساحر جدى 100 جرة بوظة، التى كانت هى البيرة عند الفراعنة. وكانت لجدى قدرات سحرية مدهشة؛ فقد قيل إنه يستطيع أن يعيد الرأس المقطوع إلى جسد صاحبه، وأن يجعل الحيوان يعود إلى الحياة بعد قطع رأسه. كما قيل إنه يعرف أسرارًا خفية تتعلق بعدد الحجرات السرية فى مقصورة الإله تحوت، إله الحكمة والمعرفة والكتابة.

ويبدو أن القصة قد نالت اهتمام الملك خوفو وأثارت فضوله، ربما لأنه كان يريد أن يعرف عدد الحجرات السرية المقدسة الخاصة بتحوت، وربما كان ذلك مرتبطًا برغبته فى استخدام هذه المعرفة فى بناء هرمه العظيم أو فى تخطيط حجراته الداخلية. ولذلك أمر الملك بإحضار الساحر جدى إلى القصر. بالفعل، ذهب الأمير حور جدف، ابن الملك خوفو، إلى مكان جدى، وأحضره إلى بلاط الملك. وعندما وصل الساحر، رحب به خوفو، وطلب منه أن يُظهر قدرته السحرية أمامه. فأمر الملك بإحضار إنسان محكوم عليه بالإعدام ليجرب عليه جدى قدرته على قطع الرأس وإعادته، لكن الساحر رفض ذلك، وقال للملك إن هذا العمل لا يجوز أن يُجرى على إنسان. وهنا أمر الملك طيور الإوز، فقام جدى بإظهار قدرته السحرية، وقطع رؤوس الطير وأعادها إليها وكأن شيئًا لم يحدث!! والملك مذهول مما يرى من عجائب هذا الساحر. لكن خوفو بادر الساحر بسؤاله عن الحجرات السرية الخاصة بالإله تحوت، فأجاب جدى بأنه لا يعرف عددها بنفسه، ولكنه يعرف أين توجد المعلومات عنها. وقال إنها محفوظة داخل صندوق فى مدينة أون «هليوبوليس، عين شمس حاليًا»، وأن هناك امرأة تدعى «رود جدت» سوف تلد ثلاثة أطفال، وأن هؤلاء الأطفال سيكونون أبناء الإله رع، وسوف يحكمون ويمجدون رع- إله الشمس. وعندما ظهر الحزن على وجه خوفو، لأن هذا الكلام يعنى أن الحكم لن يستمر فى نسل أسرته إلى الأبد، وأن أسرة جديدة سوف تأتى بعد أسرته لتحكم مصر. لكن جدى طمأنه بأن الأمر لن يحدث إلا بعد زمن طويل؛ وأن الملك خوفو سيحكم، ثم ابنه، ثم حفيده، وبعد ذلك تأتى الأسرة الجديدة.

وتستمر القصة فى وصف ولادة الأطفال الثلاثة من السيدة رود جدت زوجة كبير كهنة الإله رع، وتدخل الآلهة فى هذه الولادة، فى مشهد يجمع بين الأسطورة والدعاية السياسية. ويبدو أن الهدف من هذه القصة كان إعطاء شرعية دينية لملوك الأسرة الخامسة، من خلال القول إنهم أبناء الإله رع، وإن مجيئهم إلى الحكم كان مقدرًا من السماء.

ومن هنا نرى أن قصة «خوفو والسحرة» يمكن دراستها بوصفها نصًا أدبيًا، أو بوصفها أقدم أساليب الدعاية السياسية من عصر الفراعنة. وفى نفس الوقت حاول بعض العلماء الربط بين هذه القصة والهرم الأكبر، خاصة أن خوفو سأل جدى عن الحجرات السرية الخاصة بالإله تحوت. وذهب البعض إلى أن هذا قد يكون إشارة إلى اهتمام خوفو بالأسرار الهندسية والدينية المرتبطة ببناء هرمه! بل إن بعض الباحثين يرون أن عظمة الهرم الأكبر تكمن فى وجود أسرار لايزال العقل البشرى إلى يومنا هذا يعجز عن حلها أو كشفها! ومنها السؤال المهم: أين توجد حجرة الدفن الحقيقية للملك خوفو؟ فهؤلاء لا يزالون على قناعة بأن الحجرة الجرانيتية والتابوت الفارغ ليسا حجرة الدفن الحقيقية للملك خوفو. ظل الملك خوفو حيًا فى الذاكرة المصرية ملكًا عظيمًا، ارتبط اسمه بأعظم بناء فى العالم القديم، وهو الهرم الأكبر، كما ارتبط أيضًا بالمعرفة والسحر والأسرار.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

خوفو والسحرة خوفو والسحرة



GMT 06:11 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

تفاءلوا

GMT 06:09 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

السّعودية وفنّ السّياسة والتَّدبير

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

اتفاق الستين يوماً واللايقين السياسي

GMT 06:04 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

كيف نجحت الصين في إدارة أزمة النفط؟

GMT 06:02 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

عن إيران التي تتغير

GMT 05:59 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

أزمة «الدفاع» البريطانية

GMT 05:56 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

باكستان الجديدة

GMT 05:53 2026 الثلاثاء ,16 حزيران / يونيو

ما يخفيه الخبر العاجل

صبا مبارك تتألق بإطلالات عصرية راقية تواكب نجاح الفني

أبوظبي ـ مصر اليوم

GMT 05:52 2026 الإثنين ,15 حزيران / يونيو

بي إم دبليو M3 موديل 2027 تظهر لأول مرة
  مصر اليوم - بي إم دبليو M3 موديل 2027 تظهر لأول مرة

GMT 13:55 2018 السبت ,06 تشرين الأول / أكتوبر

الهلال يستضيف الزمالك في ليلة السوبر السعودي المصري

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 23:53 2013 الخميس ,28 تشرين الثاني / نوفمبر

إكسسوارات تضفي أناقة وتميُّزًا على مظهرك

GMT 20:04 2019 الثلاثاء ,04 حزيران / يونيو

قرص واحد "يطيل عمر" مرضى سرطان البروستات

GMT 07:05 2021 الأحد ,31 كانون الثاني / يناير

شكري يستقبل رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي الأحد

GMT 00:39 2021 الإثنين ,18 كانون الثاني / يناير

هنا الزاهد وزوجة كريم فهمي تثيران الجدل بفساتين قصيرة

GMT 19:10 2020 الثلاثاء ,03 آذار/ مارس

روبي تشاهد العرض المسرحي "علاء الدين"

GMT 00:00 2019 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

رمضان صبحي يؤجل إعلان مصيره مع الأهلي

GMT 08:45 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

"أبل" تُطلق جهاز "Homepod Mini" و3 هواتف جديدة

GMT 07:42 2018 الجمعة ,31 آب / أغسطس

كشف غموض فتاة توفى زوجها بسببها في تكساس
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt