توقيت القاهرة المحلي 13:47:34 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ظاهرة هيثم الزبيدي…

  مصر اليوم -

ظاهرة هيثم الزبيدي…

بقلم : خيرالله خيرالله

امتلك هيثم الزبيدي، ناشر صحيفة “العرب” الذي غاب عنا بعد صراع طويل مع المرض، كل الصفات التي تجعل منه شخصا استثنائيا بكلّ معنى الكلمة. توفّي هيثم في أحد مستشفيات لندن ودفن في العاصمة البريطانية بعيدا عن العراق الذي أحبّه إلى أبعد حدود وبقي مرتبطا به.

حاول هيثم الزبيدي، الذي انتقل إلى لندن لمتابعة تخصصه الجامعي، في كلّ وقت أن يكون موضوعيا في نظرته إلى تطور الأحداث في بلده الأصلي. حرص على موضوعيته على الرغم من أنّ والده محمّد حمزة الزبيدي شغل مناصب رفيعة المستوى في عهد صدّام حسين، بما في ذلك موقع رئيس الوزراء في مرحلة معينة تلت الانسحاب من الكويت، بين 1991 و1993. مثل هذا الموقف يجعل من هيثم الزبيدي رجلا استثنائيا قرّر أن تكون لديه شخصية خاصة به صنعها بنفسه شيئا فشيئا.

يبقى هيثم الزبيدي الذي توفّي عن 61 عاما ظاهرة تستحق التوقف عندها. لا يعود ذلك إلى أنّه عمل على أن يكون هناك إعلام عربي بالإنجليزية والإسبانيّة فحسب، بل عمل من أجل إعلام مختلف

كلّ ما في المسيرة الصحافية لهيثم الزبيدي فريد من نوعه، بدءا بطريقة انتقاله إلى هذه المهنة الشيقة والمرهقة في الوقت ذاته… وصولا إلى نجاحه في إيجاد موقع، على الصعيد العربي، للصحيفة التي أعاد إليها الحياة بعد وفاة مؤسسها وصاحبها أحمد الصالحين الهوني آخر وزير للإعلام في ليبيا قبل سقوط العهد الملكي في العام 1969.

ليس مألوفا انتقال خريج من كلية الهندسة في جامعة مرموقة مثل “إمبريال كوليدج” إلى عالم الصحافة. لكن لوثة الصحافة أصابت هذا الصديق والأخ الذي استطاع في خلال فترة قصيرة إيجاد مكان له في عالم الإعلام العربي. بدأ بموقع “ميدل إيست أونلاين” ثم انتقل إلى “العرب” آخذا على عاتقه إبقاء الصحيفة العربية التي تصدر من لندن حيّة ترزق في غياب الحاج الهوني.

في كلّ ما فعله هيثم الزبيدي الذي تعرفت إليه في خلال زيارة  لتونس في العام 2008، كان هناك ما يشير إلى فرادة الرجل الذي فضّل الصحافة على العمل كمهندس حاصل على درجة دكتوراه في اختصاصه.

الأكيد أن في الإمكان الدخول في نقاش طويل في شأن الخيارات الصحافية لهيثم الزبيدي، بما في ذلك رفضه تخصيص الخبر الأساسي في الصفحة الأولى لحدث معيّن أكثر من مرّة واحدة، بغض النظر عن ضخامة هذا الحدث وأهمّيته. كان يتعمّد، إلّا في حالات استثنائية، تفادي ذلك والسعي إلى التركيز على مواضيع أخرى يعتقد أنّ من الظلم تجاهلها. سألته مرات عدة عن هذا السلوك، الذي وجدته غريبا، كان جوابه أنّه يسعى إلى خلق نوع جديد من الصحافة ترفض الغرق في الروتين.

ليس مألوفا انتقال خريج من كلية الهندسة في جامعة مرموقة إلى عالم الصحافة. لكن لوثة الصحافة أصابت هذا الصديق والأخ الذي استطاع في خلال فترة قصيرة إيجاد مكان له في عالم الإعلام العربي

لم يكن الخروج من الروتين، الجانب الأهمّ في شخصية هيثم الزبيدي. كانت لديه ميزات شخصية أخرى. في مقدم هذه الميزات الوفاء. بقي وفيا لكلّ من دعمه. استمرّ هذا الدعم أم لم يستمر. ثمة مبادئ رفض هيثم الخروج عنها. من بين هذه المبادئ الوفاء في ظلّ كرمه غير المتناهي، بل المبالغ به، في أحيان كثيرة. كان يساعد كلّ من يطلب مساعدة، بمن في ذلك أشخاص أساؤوا إليه. كان سريع الغضب وسريع التسامح. كان عنيدا في بعض الأحيان، لكنه كان يتفادى الإيذاء ورفض أن يكون صداميا. كان عراقيا أصيلا تطوّر عقله وسلوكه في ضوء عيشه في الغرب وتعرّفه على العالم. كان عراقيا تستطيع أن تختلف معه ثم تذهب إلى العشاء برفقته وكأن شيئا لم يكن…

الأهم من ذلك كلّه، أنّه حوّل “العرب” فضاء للحرّية ولآراء متناقضة بين بعضها. عرف كيف يستفيد من أخطاء الآخرين ومن قيود فرضت على صحف عربيّة أخرى في هذا البلد العربي أو ذاك. كانت أهمّية هيثم الزبيدي تكمن في نقطتين مهمتين أولاهما قدرته على التكيف مع واقع العيش في عالم غربي بعيدا عن العراق، وثانيهما أنّه لا تهمّه المحرمات التي خرقها تباعا مرات عدة.

يبقى هيثم الزبيدي الذي توفّي عن 61 عاما ظاهرة تستحق التوقف عندها. لا يعود ذلك إلى أنّه عمل على أن يكون هناك إعلام عربي بالإنجليزية والإسبانيّة فحسب، بل عمل من أجل إعلام مختلف، إعلام غير تقليدي يأخذ في الاعتبار أن العرب جزء من هذا العالم وأن في استطاعتهم العمل من أجل إيجاد موقع خاص بهم فيه… أقلّه إعلاميا.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ظاهرة هيثم الزبيدي… ظاهرة هيثم الزبيدي…



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 22:36 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج العقرب الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:39 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الجدي الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 19:58 2024 الأربعاء ,08 أيار / مايو

حسين الشحات مهدد بالحبس فى أزمة الشيبى

GMT 14:15 2023 الخميس ,07 أيلول / سبتمبر

فيلم "ساير الجنة" في نادي العويس السينمائي

GMT 16:19 2015 الأربعاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

سعاد سليمان تحصد جائزة خوان كارلوس للقصة القصيرة

GMT 04:49 2023 الجمعة ,13 كانون الثاني / يناير

حكيمي وصلاح ضمن المرشحين لجائزة أفضل لاعب في العالم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt