خسرت إيران سوريا وخسرت لبنان وتلقت ضربات قوية في اليمن. أكثر من ذلك ليس بعيدا اليوم الذي ستخسر فيه العراق الذي لا يزال ورقتها الأخيرة في المنطقة.
لا تزال "الجمهوريّة الإسلاميّة" في إيران تحاول تسويق الملف النووي الإيراني كما لو أنّ باراك أوباما لا يزال في البيت الأبيض. كان أوباما الذي أمضى في البيت الأبيض ثماني سنوات مصرّا على أن الملف النووي الإيراني يختزل كلّ أزمات الشرق الأوسط والخليج. من الواضح، في ضوء جولة المفاوضات الإيرانيّة – الأميركيّة الأخيرة في مسقط وجود رفض إيراني لقبول الواقع المتمثل في أن كلّ المعطيات الإقليمية والدولية تغيّرت منذ العام 2015 لدى التوصّل إلى اتفاق بين البلدان الخمسة زائدا واحدا من جهة و”الجمهوريّة الإسلاميّة” من جهة أخرى. كان ذلك في واقع الحال اتفاقا أميركيا – إيرانيا ما لبث دونالد ترامب أن مزقه في العام 2018 في أثناء ولايته الرئاسية الأولى.
ليس توجّه بنيامين نتنياهو رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى واشنطن للاجتماع بالرئيس دونالد ترامب بعد أقلّ من أسبوع على اللقاء الأميركي – الإيراني سوى محاولة للتأكد من أن تجربة اتفاق 2015 لا يمكن أن تتكرّر.
يمكن لزيارة “بيبي” للولايات المتحدة أن تدلّ إلى أحد أمرين. إمّا إلى قلق من احتمال صفقة ما أميركيّة – إيرانيّة لا تستجيب للشروط الإسرائيليّة كلها… وإمّا إلى الحاجة إلى تنسيق أكبر في المرحلة المقبلة في ضوء الرغبة المشتركة في مواجهة “الجمهوريّة الإسلاميّة” عسكريا. هذا في حال دعت الحاجة إلى ذلك.
هل من خلاف أميركي – إسرائيلي استدعى هرولة نتنياهو إلى واشنطن؟ الأكيد أن لا تطابق كاملا بين الجانبين خصوصا أنّ إدارة ترامب ترى أنّ عليها أن تأخذ في الاعتبار المزاج الإقليمي
ذهب المبعوثان الأميركيّان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى مسقط، للقاء وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، بعدما عرّجا على الدولة العبريّة التي تبدو مصرّة هذه الّأيام على رفض حصر شروطها بتخلّص إيران من برنامجها النووي.
إلى جانب الملف النووي، يوجد شرطان آخران. إنّهما شرطان إسرائيليان وغير إسرائيليين في الوقت ذاته، ذلك أن القلق الإقليمي والأوروبي يتجاوز الملف النووي الإيراني. يرتبط الشرطان بما إذا كانت “الجمهوريّة الإسلاميّة” تريد أن تكون دولة طبيعيّة من دول المنطقة. يتعلّق الشرطان، عمليا، بالصواريخ الباليستية الإيرانيّة ومنصات إطلاقها وبالسلوك الإيراني في المنطقة، أي بالميليشيات المتنوعة التابعة لـ”الحرس الثوري” خارج الحدود الإيرانيّة، خصوصا في لبنان والعراق واليمن. يظلّ الملف النووي الذي تريد إيران حصر التفاوض في شأنه محلّ أخذ وردّ وهل لا يزال بضاعة قابلة للتسويق. يعود ذلك إلى أن الهجمات الإسرائيلية، خصوصا الأميركيّة، في منتصف حزيران – يونيو الماضي، دمرت جانبا لا بأس به من البرنامج الإيراني. استهدفت إسرائيل مواقع عسكرية وشخصيات عسكريّة ومدنيّة إيرانية، فيما استهدفت القاذفات الأميركيّة مواقع يجري فيها تخصيب اليورانيوم.
هل من خلاف أميركي – إسرائيلي استدعى هرولة نتنياهو إلى واشنطن؟ الأكيد أن لا تطابق كاملا بين الجانبين، خصوصا أنّ إدارة ترامب ترى أنّ عليها أن تأخذ في الاعتبار المزاج الإقليمي، وهو مزاج عربي وتركي يميل إلى تفادي حرب أميركيّة – إسرائيلية على “الجمهوريّة الإسلاميّة”. في الواقع، يوجد في المنطقة من يعتقد أنّ إيران الضعيفة، حيث النظام في مواجهة مع الشعب، باتت في وضع الدولة التي تحتاج إلى من يدعمها. لم تعد “الجمهوريّة الإسلاميّة” تشكل تهديدا لجيرانها البعيدين والقريبين. لم يعد الحوثيون في اليمن، الذين ليسوا سوى أداة إيرانية، يطلقون صواريخ ومسيرات في اتجاه مواقع مدنيّة، في معظمها، في المملكة العربية السعوديّة. باتت إيران تحترم أخيرا اتفاق بيجينغ (بكين) الذي وقعته مع المملكة في العاشر من آذار – مارس 2023. ينص الاتفاق بوضوح على توقف “الجمهوريّة الإسلاميّة” عن التدخل في شؤون الغير.
دونالد ترامب ليس باراك أوباما. العام 2026 ليس العام 2015. لا تزال "الجمهوريّة الإسلاميّة" تعيش في الماضي وقبل حرب غزّة وما أسفرت عنه تحديدا
تغيّر الوضع جذريا في المنطقة، بل تغيّرت المنطقة، في ضوء الحروب التي خاضتها إيران على هامش حرب غزّة التي اندلعت في السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023. خسرت إيران سوريا وخسرت لبنان وتلقت ضربات قوية في اليمن. أكثر من ذلك، ليس بعيدا اليوم الذي ستخسر فيه العراق الذي لا يزال ورقتها الأخيرة في المنطقة.
اللافت أن المسؤولين الإيرانيين ما زالوا يرفضون أخذ العلم بما حصل في المنطقة وبما حلّ بغزّة وبما يدور في الداخل الإيراني. تغيّرت المنطقة، لكنّ طهران ترفض تغيير لغتها وكأنّ ما حل بغزّة وما تلا حرب غزّة أحداث عارضة لا يمكن أن تحمل “الجمهوريّة الإسلاميّة” إلى التخلي عن لغتها الخشبية التي هي جزء من ماضي المنطقة وليس من مستقبلها.
لا يتعلّق الأمر بلغة خشبية فحسب، بل يتعلّق أيضا برهانات لم يعد من جدوى منها، رهانات من نوع السعي إلى كسب الوقت أو حصول خلاف أميركي – إسرائيلي. يظلّ أي خلاف يحدث مجرد خلاف شكلي مؤقت لا يمس عمق العلاقة بين إدارة ترامب ونتنياهو وجوهرها.
إلى اشعار آخر، لا يمكن لإدارة ترامب دخول مواجهة مع اليمين الإسرائيلي إلا ضمن حدود معيّنة لا يمكن أن تصب في خدمة النظام الإيراني وتطلعاته. كلّ ما في الأمر أنّ هناك مشروعا توسّعيا إيرانيا في المنطقة لا يمكن إحياؤه بغض النظر عن العلاقات بين أميركا وإسرائيل. يؤكّد ذلك أنّ المبعوثين الأميركيين عرجا في طريقهما إلى سلطنة عمان على إسرائيل. لكنهما توقفا في طريق العودة من مسقط على حاملة الطائرات “ابرهام لينكولن” المرابطة في مياه الخليج. هذا يعني بكل بساطة أنّ القوة تصنع السياسة الأميركية في أيامنا هذه وأنّ إسرائيل جزء لا يتجزّأ من هذه القوة الأميركيّة.
دونالد ترامب ليس باراك أوباما. العام 2026 ليس العام 2015. لا تزال “الجمهوريّة الإسلاميّة” تعيش في الماضي وقبل حرب غزّة وما أسفرت عنه تحديدا. لعلّ أهمّ ما تتجاهله إن الحرب انتقلت إلى داخل “الجمهورية الإسلاميّة” نفسها. هذا سبب كاف للتخلي عن لغة خشبية تحول دون أن تكون إيران دولة طبيعيّة في المنطقة، بل تهديدا للاستقرار فيها بحجة أنّها تواجه إسرائيل… في حين وضعت نفسها في خدمتها!