توقيت القاهرة المحلي 08:02:24 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السياق الذي يعيد بناء الآيديولوجيا

  مصر اليوم -

السياق الذي يعيد بناء الآيديولوجيا

بقلم:عمرو الشوبكي

الجدل الذي دار حول التعاطي مع الجماعات الراديكالية بمختلف تنوعاتها، ممتد في الأوساط الأكاديمية والسياسية منذ عقود. والنقاش الذي دار منذ تسعينات القرن الماضي في الأوساط البحثية الفرنسية حول ظاهرة «الإسلام السياسي»، تركز في جانب مهم منه على أيهما له «الغلبة» وسيعيد بناء أو تفكيك آيديولوجيات التيارات الإسلامية المتشددة بمختلف تنوعاتها: هل السياق أو النص؟ بمعنى أنه لكي تراجع هذه التيارات توجهاتها وأفكارها؛ هل سيكون ذلك بفضل السياق الاجتماعي والسياسي المحيط بها عبر اتخاذ إجراءات وسياسات تدفعها نحو الاعتدال أو التطرف؟ أم سيكون بفضل تفسير النص الديني وتقديم تفسيرات معتدلة للترشيد، تواجه التفسيرات المتطرفة. وهناك أخيراً من دمج بين المفهومين، واعتبر أن السياق يمثل عاملاً رئيسياً في تشكيل تفسيرات النص، دون أن يلغي ذلك أن بنية الأخير وطبيعته تحدد مساحة الاستجابة للسياق المحيط.

وقد ظلت الأوساط اليمينية والمحافظة وبقايا المدارس الاستشراقية القديمة، تعتبر أن النص العقائدي للتيارات الإسلامية هو بمفرده الذي يفسر ممارساتها وتوجهاتها، بصرف النظر عن السياق المحيط من أجل الخروج بنتائج تقول «كلهن واحد»، وإن المشكلة ليست في تفسيرات النص ولا السياق المحيط به، بما يعني أن ظواهر التطرف والعنف الديني ستبقى معنا إلى الأبد مهما فعلنا إذا نظرنا للتأويل.

والحقيقة أن معظم الكتابات العلمية فندت النظريات التي فصلت بين النص والسياق، كما أن الواقع العملي أثبت أيضاً أن السياق السياسي والاجتماعي والإقليمي يمكن أن يعيد تأسيس وبناء هذه الآيديولوجيات في كثير من التجارب.

صحيح أن هناك تجارب لم يستطِع السياق المحيط أن يعيد بناء هذه الآيديولوجيا، خصوصاً تجارب الإخوان المسلمين وحركة «طالبان» وغيرهما لأسباب لا مجال الخوض فيها الآن، كما أن جماعات التطرف والإرهاب مثل «داعش» لم تقدم أي مراجعة لبنيتها العقائدية رغم هزيمتها في كل الساحات التي سيطرت عليها، وربما تكون ضحالة إطارها الفكري واعتماها على بنية انتقام ثأري واستحلال، مقارنة بتنظيمات متطرفة وعنيفة أخرى مثل «الجهاد» و«الجماعة الإسلامية» في مصر وحتى تنظيم «القاعدة»، حيث كان المكون العقائدي المتطرف أكثر صلابة وتماسكاً.

والحقيقة أن التجربة السورية رغم التحديات الكثيرة التي تواجهها قدمت نموذجاً للاستجابة السريعة للسياق المحيط، وبراغماتية في التعامل مع مسلمات كانت تضعها تيارات الإسلام السياسي في أدبياتها كنوع من الرفض للنظم القائمة، أو مجال للمزايدة عليها مثل الموقف من وجود إسرائيل، وأنها تنتظر الوصول إلى السلطة لإعلان الجهاد ضدها.

إن الواقع الإقليمي والدولي والسياق السياسي المحيط بالتجربة السورية، جعلا «جهادها» الأساسي ضد «الاحتلال الداخلي» الذي عانى منه الشعب السوري على يد نظام «آل الأسد»، وجعلا البديل الوليد في سوريا لا يرى أخطار الخارج بكل تنوعاته بالصورة نفسها التي كانت تراها النخب السورية عشية الاستقلال الوطني، خصوصاً أن شعار «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» ظل يوظفه نظام الأسد لقهر الشعب السوري منذ آخر حرب دخلها ضد إسرائيل في أكتوبر (تشرين الأول) 73 وحتى سقوطه.

إن السياق السياسي والاجتماعي المحيط والتحديات الداخلية والخارجية، جعلا الفصائل الإسلامية في سوريا تعيد بناء مسلماتها الآيديولوجية على أسس جديدة، عززها وجود حاضنة شعبية داعمه للإدارة الجديدة. كما أن سلاسة أحمد الشرع في التخلي عن أسماء التنظيمات التي قادها ومراجعة مضامينها العقائدية بشكل برغماتي كان لافتاً. في المقابل، مسألة تقديس التنظيم التي تميزت بها تجربة الإخوان المسلمين ووصفها بالجماعة الربانية واعتبار الانتماء والحفاظ على التنظيم هدفاً في حد ذاته، صعّب من مهمتها في التخلي عن التنظيم، أو تقديم أي نقد ذاتي لتجربتهم رغم تغير السياقات المحيطة والنظم القائمة.

يقيناً، السياق يلعب دوراً أساسياً في تغيير الآيديولوجيا وأسهم بتجارب كثيرة في انتقال جماعات متطرفة من العنف إلى السلمية، مثلما حدث مع أغلب قادة تنظيم «الجماعة الإسلامية» بمصر في تسعينات القرن الماضي حيث قدموا مبادرة لوقف العنف وفككوا ونقدوا بنية العنف العقائدية. التجربة السورية مرشحة لأن تؤسس لمشروع عملي سياسي واقتصادي جديد، يواجه مشكلات وتحديات كبيرة، وسيعيد الاعتبار لـ «السياق» على حساب «النص» في هذا الجدل المستمر بينهما.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السياق الذي يعيد بناء الآيديولوجيا السياق الذي يعيد بناء الآيديولوجيا



GMT 07:11 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

مصر وإيران

GMT 07:09 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

محاولة اغتيال ترامب جرس إنذار

GMT 07:07 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

مرة أخرى: كيف تغير كل شيء؟!

GMT 07:05 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

نعمة اسمُها إشكال

GMT 07:03 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

الرَّابطة الخامنئية الخفيَّة

GMT 07:01 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

لبنان في عنق الزجاجة

GMT 07:00 2026 الثلاثاء ,28 إبريل / نيسان

الخلافة في الشركة الأكبر!

GMT 06:40 2026 الإثنين ,27 إبريل / نيسان

تأثير إلغاء الرسوم الجمركية

نانسي عجرم وأنغام تتصدران موضة إطلالات السهرة اللامعة

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 09:46 2026 الخميس ,23 إبريل / نيسان

الأمير هاري يصل إلى كييف في زيارة غير معلنة

GMT 09:11 2026 الأربعاء ,08 إبريل / نيسان

ياسمين صبري تتألق بإطلالات كاجوال ورياضية أنيقة

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 22:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الثور الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 02:07 2025 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

خطوات تفصل الزمالك للإعلان عن تجديد زيزو

GMT 11:14 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

يحاول أحد الزملاء أن يوقعك في مؤامرة خطيرة

GMT 09:34 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

تتيح أمامك بداية العام فرصاً جديدة لشراكة محتملة

GMT 23:16 2013 السبت ,21 أيلول / سبتمبر

مجموعة فيكتوريا بيكهام لربيع / صيف 2014
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt