بقلم: عمرو الشوبكي
فى عالمنا العربى كما فى كثير من دول العالم هناك إجمالا نمطان من التحالفات الأمنية: الأول هو التحالف أو بالأحرى الاحتماء بدولة عظمى دون أن تهتم هذه الدولة بعقد أى تحالفات مع دول أخرى إلا «القوة العظمى» أو من يعتبر نفسه قوة عظمى، وهناك ثانيا التحالفات الإقليمية التى تضم دولا متقاربة فى القوة أو تكمل بعضها البعض، ومتفاهمة على تحديد الأخطار، ومستعدة للدفاع عن بعضها البعض، كما جرى فى اتفاق مكة، الذى وقعته ثلاث دول هى السعودية وتركيا وباكستان فى ٧ أغسطس ٢٠٢٦، وتضمن عددا من النقاط أبرزها مسألة «الدفاع الجماعى والردع المشترك» وأن أى هجوم على إحدى الدول الثلاث يُعتبر هجومًا على الدول الثلاث جميعًا. وهو العنصر الذى يجعل الاتفاق شبيهًا، من حيث المبدأ، بفكرة المادة الخامسة فى حلف الناتو وتعزز فى اجتماع إسطنبول فى ٣١ أغسطس الماضى بإنشاء أمانة عامة لمأسسة التحالف، ثم عقد مؤخرا فى الرياض اجتماعين فى ٢٦ سبتمبر الماضى أعقبه اجتماع فى ٥ أكتوبر بعد ارتفاع معدلات الاعتداءات الحوثية حتى وصلت إلى جريمة استهداف المطارات المدنية فى داخل المملكة.
ورغم الهجمات الأمريكية السابقة على مواقع الحوثى فى صنعاء وغيرها، إلا أنها تمت وفق الأولويات الأمريكية، والحسابات الإسرائيلية وليس حسابات دول المنطقة، خاصة دول الخليج، وهو ما جعل التحالف الإقليمى بين الدول الثلاثة أمرا شبه حتمى، خاصة مع اتضاح أن حسابات القوة العظمى ليست حسابات دول المنطقة، وأن حسابات إسرائيل هى عكس مصالح دول المنطقة.
والحقيقة أن قوة اتفاق مكة تكمن من جانب فى قدرات الدول الثلاثة وتنوع مصادر قوتها، بحيث بدت وكأنها تكمل بعضها البعض، فالسعودية ذات القوة المالية والنفوذ العربى والخليجى والمعانى الرمزية والدينية التى تمثلها فى العالم الإسلامى، أما تركيا فهى قوة عسكرية كبيرة تمتلك صناعة دفاعية متطورة وأصبح لديها حضور وتأثير فى كل الملفات الإقليمية فى المنطقة من ليبيا إلى السودان، ومن سوريا حتى غزة، كما أن جيشها يعد ثانى أكبر جيش فى حلف الناتو من حيث العدد بعد الولايات المتحدة الأمريكية، أما باكستان فرغم مشاكلها الاقتصادية وتلقيها أكثر من مرة لمساعدات من قبل السعودية إلا أنها نجحت فى بناء قوة عسكرية ونووية راسخة أثبتت كفاءتها فى المواجهة الأخيرة مع الهند، ولعبت دورا أساسيا فى الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران وجعل قنوات اتصالها مفتوحة مع طهران حتى اللحظة.
أما الجانب الثانى من الاتفاق فهو يقول إن التحالفات الإقليمية توجه رسالة ضمنية بأن الاعتماد على قوة عظمى مثل أمريكا أو غيرها لن يجلب الأمن لدول المنطقة ما لم يكن هناك تفاهم حقيقى فيما بينها على تأسيس تحالف إقليمى يضم أبرز دولها.