توقيت القاهرة المحلي 14:20:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

فرنسا بين الاحتجاج والعنف

  مصر اليوم -

فرنسا بين الاحتجاج والعنف

بقلم : عمرو الشوبكي

ستظلّ فرنسا بلداً جذاباً في الفكر والسياسة، وستبقى مؤثرةً في محيطها الأوروبي والعالم، كما ظلَّ نموذجها السياسي متعايشاً مع الاحتجاجات حتى أصبحت جزءاً أصيلاً من الثقافة السياسية للمجتمع، وبات الإضراب سلاحاً يُرفع مبكراً في فرنسا، ومتأخراً في بريطانيا، ونادراً في ألمانيا.

والحقيقة أنَّ منسوب العنف الذي شهدته باريس والمدن الفرنسية يوم السبت الماضي وصل إلى درجة غير مسبوقة، بعد أن طالب طلاب المدارس الثانوية بتحسين أحوال المدارس الحكومية، وزيادة أعداد المدرسين، وهي مطالب دعّمها أغلب الفرنسيين، ومع ذلك بدت درجة العنف غير معتادة بهذا الحجم المروع في احتجاجات مطلبية وسياسية.

والحقيقة أن هذا العنف الذي تابعته عن قرب أثناء وجودي في باريس، جعل من الصعب مقارنته بحوادث عنف سابقة شهدتها مظاهرات مطلبية وسياسية، فثقافة الاحتجاج المتعايش معها المجتمع الفرنسي بكل تنوعاته تختلف عن العنف والتخريب، فكل المظاهرات التي خرجت بمئات الآلاف منذ عهد الرئيس الاشتراكي الراحل فرانسوا ميتران، واعترضت في بداية حكمه على توحيد نظام التعليم، وأدت إلى تراجعه عنه، لم تشهد حوادث عنف تذكر، كما أن الاحتجاجات التي حدثت في عهد الرئيسين شيراك وساركوزي حول إصلاح نظام التقاعد، واستمرت حتى عهد الرئيس الحالي ماكرون وشملت احتجاجات السترات الصفراء والاحتجاج على قانون رفع سن التقاعد إلى 64 عاماً، الذي لم يتراجع عنه، رغم استمرار الاحتجاجات أسبوعاً بعد أسبوع، وحضور العنف أحياناً، ولكنه لا يمكن مقارنته بما حدث مؤخراً.

والحقيقة أن احتجاجات تلاميذ الثانوي كانت في الأصل فئوية، صحيح أنها أخذت أبعاداً سياسية، وحاول أن يستفيد منها حزب أقصى اليسار، إلا أن مقدماتها لا تقول إن نهايتها ستكون بهذه الدرجة من العنف والتخريب غير المسبوق في مظاهرات المطالب الاجتماعية والسياسية المتكررة، إلا ربما في ثورة الطلاب في عام 1968 التي سُمّيت ثورة وليس احتجاجاً، وحملت فعلياً بعض جوانبها.

والحقيقة أن العنف في فرنسا ظل مصاحباً لنوع واحد من الاحتجاجات، يتعلق بأحداث الضواحي وبالعلاقة المعقدة بين الشرطة وأبناء المهاجرين في هذه المناطق، وأن حوادث العنف التي جرت فيها وأبرزها ما جرى منذ 3 سنوات عقب قيام أحد رجال الشرطة بإطلاق النار على صبي فرنسي من أصل جزائري (نائل 17 عاماً) بسبب عدم التزامه بتعليمات الشرطة، ما أدى إلى مقتله، وأعقب هذه الواقعة مظاهرات عنف وتخريب غير مسبوقة، وتم حرق 5 آلاف سيارة عامة وخاصة وحاويات قمامة، وما يقرب من ألف اعتداء على مبانٍ مختلفة وأقسام شرطة، وأصيب المئات، وألقي القبض على نحو 4 آلاف شخص.

هذا العنف المرعب يتكرر بصورة مخففة مع كل حادثة تحدث في الضواحي، إذ يدخل فيها الأصل العرقي وارتفاع معدلات الجريمة وتصاعد العنف والتحريض المتبادل بين الفرنسيين من أصول مهاجرة، وأنصار أقصى اليمين، فالفئة الأولى تقول إن المؤسسة الحاكمة دفعتهم إلى العيش في ضواحٍ يعانون فيها من التهميش والتمييز، حتى لو كانوا يحملون الجنسية الفرنسية، في حين تقول الشرطة إنها تتعامل مع واقع يشير إلى أن كثيراً من حوادث العنف والجرائم المنظمة تقع في هذه الضواحي، وبالتالي تتعامل مع شبابها باعتبارهم «متهمين محتملين».

ومن هنا بدا صعباً تفسير ما جرى يوم 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي في المدن الفرنسية من أحداث عنف؛ لأنه غير متسق مع طبيعة الاحتجاجات المطلبية والسياسية التي تشهدها البلاد، وبات شبه «عنف الضواحي» وليس «عنف المطالب الاجتماعية والسياسية». فقد تم حرق عشرات المباني الحكومية ومنها مقر البلدية الأثري في مدينة ليموج وتخريب مقر بلدية مارسيليا، بجانب عشرات المباني والمحلات والسيارات في باريس وبوردو وليون وليل وغيرها، وتم توقيف أكثر من 1200 شخص.

وتصاعد هذا العنف بهذه الطريقة في مظاهرات بالأصل مطلبية، يفتح باباً لنقاش أعمق حول الأسباب التي أدت إلى اقترابها من عنف احتجاجات الضواحي؟ والحقيقة أن سوء الأداء الحكومي وعدم تقديم أي حلول تذكر للمشكلات الاجتماعية المتفاقمة، وأيضاً العجز عن حل مشكلة دمج المهاجرين في المجتمع، بالإضافة إلى وجود كتلة كبيرة من الشباب الفرنسي متأثرة بالأفكار المدنية واليسارية اعتادت مهاجمة أداء الشرطة والدفاع عن أبناء المهاجرين، حتى لو أخطأوا، وشتم اليمين المتطرف في أي احتجاجات سواء أكانت الأخيرة أم غيرها، كل ذلك فاقم مشكلة العنف.

ما جرى ويجري في فرنسا أمر خطير؛ لأن تحول مطالب مشروعة إلى مواجهة وأعمال تخريب، يدل على أن جانباً يعتد به من الفرنسيين، خصوصاً الشباب، بات لا يثق أو يرفض مؤسسات الدولة ومنظومة الحكم بصورة أعمق مما يبدو على السطح.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فرنسا بين الاحتجاج والعنف فرنسا بين الاحتجاج والعنف



GMT 06:53 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

لبنان... شاحنة المتفجرات تجاهل لدروس المرحلة

GMT 06:51 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

ملك الإحساس يتألق مجدداً

GMT 04:57 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

«أم القنابل» وأخواتها.. انتخابيًا!

GMT 04:54 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

مزاعم استفادة مصر من الاتفاق التركى الليبى!!

GMT 04:52 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

ابنك ليس فاشلاً.. ابحث عن فرط الحركة

GMT 04:50 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

الطبقة الوسطى ميزان المجتمع

GMT 04:49 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

أنا أد أبوكى

GMT 04:47 2026 الإثنين ,26 تشرين الأول / أكتوبر

الوظيفة كطريق إلى جهنم!

النجمات يتألقن بفساتين سهرة وردية في ختام أكتوبر الوردي

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 15:59 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

نجوى إبراهيم توجه انتقادات لاذعة للفنانات بسبب ملابسهن
  مصر اليوم - نجوى إبراهيم توجه انتقادات لاذعة للفنانات بسبب ملابسهن

GMT 08:07 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ
  مصر اليوم - موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 23:07 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 10:12 2019 الأحد ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

شروط وأوراق الحجز في الإسكان الاجتماعي

GMT 15:37 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

مبيعات "تسلا" خلال الربع الأول أقل من التوقعات

GMT 07:30 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

نظام macOS 16 يمنح حواسب آبل ميزات جديدة ومهمة

GMT 14:59 2021 الجمعة ,25 حزيران / يونيو

ضبط 1522 قضية تموينية متنوعة خلال 24 ساعة

GMT 15:09 2021 الأحد ,13 حزيران / يونيو

فوضى الألقاب تجتاح الوسط الفني في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt