بقلم: فاروق جويدة
ظل الموسيقار محمد عبدالوهاب يغنى سنوات طويلة للفلاح المصرى، سنوات طويلة، وكان سيد الأرض وأغلى ثرواتها، ولا أعرف أين اختفي. فقد تقسمت الفدادين الخمسة التى أخذها من الإصلاح الزراعى، ومات وتركها للأبناء، ليكون نصيب كل ابن عدة قراريط.
وانتهت أسطورة القطن والأرز والقمح، وأصبحنا نستورد الثوم من الصين، والقمح من روسيا، والأرز من الهند. لا أعرف كم عدد الفلاحين فى مصر بقى على عهده مع الأرض، فقد مات من مات، وهاجر إلى بلاد الله من هاجر، وهرب إلى القاهرة من هرب.. لم يعد ابنه قاضيا، أو أستاذا فى الجامعة، أو طبيبا. فقد انتهى حلم قديم كان يسمى مجانية التعليم، وتراجع عصر تكافؤ الفرص والعدالة الاجتماعية.
وجلس الفلاح على شط الترعة يسأل النيل: أين زمن الفيضان والخير يتدفق فى البيوت، وكأنه نهر من الجنة؟ لم يعد للفلاح مكان فى منتجعات مصر إلا خفيرا أو حارسا، أو يبيع الأشياء القديمة على أرصفة العتبة.
لا أذكر آخر فيلم ظهر فيه إلا والد أم كلثوم فى فيلمها الساقط، ولا يوجد مشهد فى مسلسل أو قناة من أفراح قرية مصرية، ولا توجد قصة مثل أدهم الشرقاوى أو المليجى فى الأرض.
ولا أدرى، كانت لدينا نقابة للفلاحين تتحدث باسمهم وترعى مصالحهم، ولكن أسعار المبيدات والبذور والأسمدة والعيش والخضار أصبحت حديث القرية، واختفت صورة الفلاح من حياتنا، إلا إذا شاهدته فى العتبة يبيع حلاوة المولد، أو يغنى ويرقص بلدى فى فنادق وأفراح القاهرة.
منذ زمان بعيد لم أسمع عبدالوهاب يغنى: «محلاها عيشة الفلاح، مطمن قلبه ومرتاح يتمرغ على أرض براح»، غناها عبدالوهاب، وشدا بها الصوت العبقرى، صوت أسمهان، ومازالت حقول مصر تسأل عن سيدها القديم.