توقيت القاهرة المحلي 15:59:27 آخر تحديث
  مصر اليوم -

قرنٌ بعد الحرب الكونية الأولى

  مصر اليوم -

قرنٌ بعد الحرب الكونية الأولى

د. مصطفى الفقى

مضت مائة عام على بدء اندلاع «الحرب العالمية الأولي» التى مثَّلت صدمةً كبرى للبشرية وأحدثت دويًا هائلاً فى تاريخ القرن العشرين، ودفعت بمجموعة من المبادئ الجديدة على الساحة الدولية

وكانت بداية ميلاد التنظيم الدولى العالمى والذى تمثل فى قيام «عصبة الأمم» وإعلان المبادئ التاريخية للرئيس الأمريكى «ويلسون»، وقد بدأت الحرب كما هو معلوم باغتيال ولى عهد «النمسا» ـ وقد كانت«النمسا« وقتها هى و«المجر» امبراطورية ذات ثقل أوروبى كبير ـ والذى يهمنا بعد قرنٍ كامل من الزمان هو أن نتأمل الشريط الطويل للأحداث الكبرى التى ملأت الدنيا وشغلت الناس، ولنا هنا بعض الملاحظات نوردها فيما يلي:

أولاً: الأصل فى العلاقات الدولية ـ ماضيها وحاضرها ومستقبلها ـ أنها حالة صراعٍ دائم بين الأمم والشعوب، تتضارب فيها المصالح، وتصطدم الأيديولجيات، وتظهر الأجندات، واستقراء التاريخ يؤكد لنا أن الصدامات الحالية وحروب الجيران تمثل شريحة كبيرة من أسباب الصراع ودوافعه، فهناك نزاعات الحدود بين الدول بل و«الغيرة القومية» المتأصلة بعداء عميق بين بعض الأمم فضلاً عن تضارب المصالح الاقتصادية تؤدى فى مجملها إلى الصدام الذى يصل إلى حد الحرب الشاملة.

ثانيًا: لقد انتقل العالم فى العقود الأخيرة ـ بعد أن شهد حربين عالميتين خلال النصف الأول من القرن العشرين ـ من مرحلة الحرب الكونية الشاملة إلى »الحروب« الموضعية بسبب النزاعات الإقليمية، وكأنما فطن الكبار أن خسائرهم فى الحرب العظمى أكبر من أن يتحملها أى طرف فى ظل التطور التقنى فى الأسلحة ودخول العالم عصر «الترسانة النووية» بمخاطرها المعروفة واحتمالاتها غير المتوقعة، فالكل يعرف كيف تبدأ الحرب ولكن لا أحد يستطيع أن يتنبأ بمتى تنتهى وكيف؟ وقد تكون الحرب المحدودة بين دولتين تفصل بينهما آلاف الأميال مثلما حدث فى حرب «الفوكلاند» بين «الأرجنتين» و«بريطانيا» فى ظل زعامة «مارجريت تاتشر»، فالصراعات لا تعرف الحدود أو المسافات إذ أنها يمكن أن تكون أيضًا عابرة للقارات!

ثالثًا: إن دخول »العصر النووي« بعد مأساة «هيروشيما ونجازاكي» التى أسدلت الستار على الحرب العالمية الثانية تحول فى ذات الوقت إلى مانعٍ قوى يؤدى إلى اختفاء الحروب الكونية، إذ أن التوازن النووى وامتلاك القوى الكبرى لترسانة من الأسلحة الفتاكة قد أدى بالضرورة إلى المخاوف المتبادلة التى تصنع الرغبة المشتركة فى رفض الحروب والابتعاد عن المواجهات الكونية لأن «الحرب النووية» فى ظل «أسلحة الدمار الشامل» ليس فيها غالبٌ أو مغلوب ولكن فيها فناءٌ حقيقى للبشرية! من هنا فإن الاستعداد المتبادل للحروب هو أكبر مبرر لانتفائها.

رابعًا: إن قاعدة القانون الدولى المعاصر لاتزال منقوصة، وبها عوارٌ معروف إذ لا تساندها قوة إلزامية إلا من خلال دول تفرض سيطرتها على الغير وتستعرض قوتها وهى مغطاة أحيانًا بقرارٍ من مجلس الأمن وأحيانًا أخرى بمنطق التدخل وفقًا للقانون الدولى الإنساني، لذلك فإن محنة »التنظيم الدولى المعاصر« قد أضعفت من هيبة المنظمة الدولية الأولي، فقد خنقت قاعدة الإجماع «عصبة الأمم» كما أجهض حق «الفيتو» «الأمم المتحدة»، وبذلك تنامت الصراعات وأصبح دور «التنظيم الدولي» هو مجرد التسكين دون المضى فى الحلول الجذرية للمشكلات واجتثاث جذورها، دعونا نتذكر بعض القضايا المزمنة مثل «مشكلة فلسطين» وقضية «كشمير» وغيرهما مما يتسبب فى الحروب الموضعية من وقتٍ لآخر وينال من قيمة ومكانة وهيبة «التنظيم الدولى المعاصر»، وإذا كانت «عصبة الأمم» هى نتاجٌ للحرب العالمية الأولى كما أن «الأمم المتحدة» هى نتاج للحرب العالمية الثانية إلا أننا مازلنا نتطلع إلى محاولات دولية ناجحة لتعظيم دور «الأمم المتحدة» وإعطائها قوة دفع تعيد للمجتمع الدولى هيبته التى تنتفى معها الحروب وتتنامى سياسات الحد من التسلح على المستوى الدولى كله.

خامسًا: إن الصراعات الدولية لا تختفي، كما أن استعدادات الحروب لن تتوقف، بل إن كل المؤشرات توحى بتزايد حجم الإنفاق العسكرى بصورةٍ غير مسبوقة، وإذا كانت قوة الردع المتبادل قد أبعدت شبح الحرب الكونية، إلا أن البشرية استعاضت عنها بالصراعات المذهبية والمواجهات السياسية والحروب الإقليمية، ولقد وقف العالم على حافة الحرب فى مناسباتٍ عديدة نذكر منها المواجهة بين الاتحاد السوفيتى السابق والولايات المتحدة الأمريكية حول دول «كوبا» فيما سمى بأزمة «خليج الخنازير»، كذلك أدى السباق المحموم فى إنتاج أسلحة الدمار الشامل نووية أو كيماوية فضلاً عن التنافس الشديد فى أبحاث الفضاء وصناعة الصواريخ التى يمكن أن تحمل رؤوسًا نووية إلى صورةٍ معقدة وأوضاع متشابكة، وإن كان هناك من يقول إن التهديد بالحرب هو أكثر الضمانات لمنعها، وقديمًا قالوا إن تزايد الاستعداد للحرب يبعد شبحها!

.. هذا طوافٌ سريع بملاحظاتٍ خمس ترتبط بقضايا السلم والأمن الدوليين وتوضح بجلاء أن احتمالات الحرب الكونية قد لا تتحقق ولكن البديل عنها هو صراعٌ عالمى بين التطرف الدينى فى الشرق أمام الحضارة الغربية بأمراضها ومشكلاتها وهو ما تعارف المجتمع الدولى على تسميته «بالحرب على الإرهاب» وشيوع حالات التمرد ورفض الواقع فى أنحاء متفرقة من المعمورة، إن ذكرى اندلاع «الحرب العالمية الأولي» واستقراء قرنٍ كامل من عمر الزمان توضح فى مجملها أنه لا أمان دائم ولا أمن مستمر ولا استقرار قائم ما دام الصراع هو جزء من فلسفة الوجود وقوانين الحياة، فالملايين التى سقطت فى «الحرب العالمية الأولي» والملايين الأخرى التى سقطت فى «الحرب العالمية الثانية» تقف جنبًا إلى جنب مع مئات الألوف من الضحايا فى الحروب الإقليمية أو النزاعات التى تحصد الأرواح دون تفرقة، فالحروب «دمٌ ودموعٌ وعرق» على حد التعبير الشهير للداهية «ونستون تشرشل» الذى قاد «بريطانيا» منتصرًا فى «الحرب العالمية الثانية» وفاز عليه زعيم حزب العمال «كليمنت أتلي» بعد الحرب مباشرةً عندما قال البريطانيون إن «تشرشل» قد كسب الحرب ولكننا نبحث عمن يكسب السلام!

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قرنٌ بعد الحرب الكونية الأولى قرنٌ بعد الحرب الكونية الأولى



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt