توقيت القاهرة المحلي 18:42:37 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عم عبدالمجيد الخولي

  مصر اليوم -

عم عبدالمجيد الخولي

عمار علي حسن

مات عم عبدالمجيد الخولى، الفلاح الفصيح لزماننا، والمناضل العتيد النبيل، بعد أن صدمته سيارة مسرعة عند النصب التذكارى فى ساعة متأخرة من ليلة الثلاثاء، ولم تدعه يفتح عينيه ليرى قاتله وهو يمرق كالسهم فى مساحات رمادية، بين الظلمة والنور. رأيته مرتين بعقلى وقلبى قبل أن تراه عينى، الأولى حين طالعت أطروحة دكتوراه أستاذى الدكتور كمال المنوفى، رحمه الله، «الثقافة السياسية للفلاحين» الذى كان هو ورفاقه مادتها العلمية، نظرياً وميدانياً، والثانية حين قرأت عن كفاح قرية كمشيش بالمنوفية ضد الإقطاع قبل ثورة 1952 وضد الاستبداد بعدها، والتى سجلت المناضلة شاهندة مقلد جانباً منها فى كتاب مهم. وجاءت اللحظة التى رأته فيها عينى حين ذهبت لكمشيش لمشاركة الأم شاهندة احتفالها بذكرى استشهاد زوجها صلاح حسين، الذى قاد النضال هناك، وكان الخولى واحداً من أبرز رفاقه، فيومها وقف «الخولى» ليخطب، فانطلق قلبه بلغة فياضة، بالقلب كان يتحدث وليس باللسان، وجسده النحيل يهتز بقوة، فيتأرجح فى جلبابه الوسيع. أيام الثورة دخل ميدان التحرير والشمس تطل من بين البنايات على الرؤوس المرفوعة. مشى بخطوات سريعة نشطة وكأنه يسبق الزمن، أو أنه يستعيد زخم أيامه التى ولت ويستحضر لحظة البدايات ويطلقها فى ساقيه النحيلتين، فيدوس على الأرض بثقة. بدا غريباً هنا بجلبابه الرمادى وطاقتيه التى تقف كجذع نخلة قديمة على شعره الذى سكنه المشيب. طاقية تحتفظ داخلها بكثير من الهواء الذى جاء معه من براح الزرع، فتعطيه طولاً وشموخاً. لا أحد هنا يعرفه إلا قلة، أما هو فيعرف الجميع. سيماهم فى وجوههم من أثر التمرد. الثائر الساكن تحت جلده خرج من مسامه يطل على الغاضبين فى تلك البقعة المحررة من الوطن الذى اغتصبوه، ويستعرضهم وجهاً وجهاً. كلهم يشبهونه فى ميعة الصبا، وهنا المكان الذى بوسعه أن يقف على أى شبر فيه يسع جسده النحيل، وهو يشعر بأنه لا يزال على قيد الحياة، التى عاش يتمناها. ماتت أحلامه منذ انكسر وصاحبه فى قرية كمشيش، حين خرجوا ذات فجر يصرخون ضد الإقطاعيين الذين كانوا يمصون دماءهم فى صمت وتلذذ. ذهبوا وجاء غيرهم وانفتحت أفواههم الوسيعة وأمسكت أسنانهم الحادة برقاب عشرات الملايين، بينما عيونهم تضحك وأجسادهم لا تتراخى أبداً، ولم يجدوا إلا أصواتاً مبحوحة لا تصل حتى إلى آذان من يطلقونها. لم تدر الأغلبية الكاسحة المحتشدة فى ميدان التحرير شيئاً عن الرصاص الذى فرقع فى الزمن البعيد، فخر أحد المناضلين صريعاً فى قريته التى جذبها من غياهب النسيان ووضعها فى قلب التاريخ. لا يدرون شيئاً عن الأرملة التى احتضنت ذكراه صابرة، ولا عن الشعر الذى جرى على ألسنة كثيرة تتغنى به: «فلاح ابن فلاح والبلد كمشيش لسه الرجال فيها عايشة باقية ومابتمشيش ثابت على مبدئى وقولى وكلامى تراث للتاريخ هيعيش». كان «الخولى»، رحمة الله عليه، يعرف كل شىء، ويصر على أن يشارك فى صناعة التاريخ، إلى أن جاء من يخطف جسده لكن روحه ستظل معنا إلى أن نحقق كل أحلامه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عم عبدالمجيد الخولي عم عبدالمجيد الخولي



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الضحايا المعتادون

GMT 10:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ماذا تبقَّى من إمبراطورية طهران؟

GMT 10:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أميركا والمونديال والحذر والقدَر

GMT 07:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt