بقلم - عمار على حسن
فى كتابه «نزار قبانى فى مصر» يخبرنا الكاتب على النويشى بأن لنزار خمساً وسبعين قصيدة غناها ستة عشر مطرباً عربياً، لهم شعبية جارفة، مثل أم كلثوم، التى غنت له: «أصبح عندى الآن بندقية»، و«عندى خطاب عاجل إليك»، وهى قصيدة فى رثاء عبدالناصر، ولحنهما محمد عبدالوهاب، وعبدالحليم حافظ الذى غنى له: «قارئة الفنجان» و«رسالة من تحت الماء»، ونجاة الصغيرة التى غنت له أربعاً هى: «ماذا أقول له؟» و«أسألك الرحيلا» و«أيظن» و«متى ستعرف كم أهواك يا أملاً»، وغنت فايزة أحمد «رسالة من امرأة»، وفيروز التى صدحت من ألحان الأخوان رحبانى بقصيدتى «وشاية» و«لا تسألونى ما اسمه حبيبى»، وماجدة الرومى التى غنت: «كلمات» و«بيروت ست الدنيا» و«أحبك جداً» و«مع الجريدة» و«طوق الياسمين»، وغنى له محمد عبده «القرار»، وطلال مداح «جاءت تمشى باستحياء والخوف يطاردها»، وغنت لطيفة له سبعاً هى: «أسئلة إلى الله» و«يا قدس» و«من ينقذ الإنسان؟» و«تلومنى الدنيا» و«رضى الله عن الشام» و«العاشقين» و«دمشق»، وغنت إلهام المدفعى قصيدة «بغداد»، وغنى خالد الشيخ «عيناك»، وغادة رجب «لماذا؟»، ومحمد حسن «الهرم الرابع»، فيما غنى له كاظم الساهر ثلاثاً وأربعين أغنية.
ولم يكن الملحنون والمطربون المصريون أو مَن احتضنتهم مصر، هم وحدهم الذين احتفوا بقصائد نزار، ففى القاهرة وجد نفسه منذ البداية، حيث قدمه الناقد الكبير أنور المعداوى إلى القراء عبر مجلة الرسالة، واحتفى به محمد حسنين هيكل، وغفر له «عبدالناصر» هجاءه له بعد هزيمة 1967، وهنا يقول هو: «كانت القاهرة فى الأربعينات عاصمة العواصم العربية، وكانت بستاناً للفكر والفن عز نظيره، وحين جئتها كانت الأرض كلها مبدعة، وكان هناك العمالقة طه حسين، العقاد، على محمود طه، بجانب أم كلثوم وعبدالوهاب، فماذا يحتاج شاب صغير يحمل البذرة الصغيرة من الشاعرية أكثر من هذا.. أسعدنى أن أدخل الوسط الأدبى والفنى والصحفى من أعرض أبوابه، وأعرف صفوة أعلامه، توفيق الحكيم، وإبراهيم عبدالقادر المازنى، ومحمد عبدالوهاب، وكامل الشناوى، وإبراهيم ناجى، وأحمد رامى، ومحمد حسنين هيكل، والناقد الكبير أنور المعداوى».
وبعد أن يشرح باستفاضة السياق الاجتماعى والسياسى والثقافى الذى كان مُهيأ لاستيعاب نزار وإفادته، يصور النويشى تجربة الرجل مع المثقفين المصريين قائلاً: «كانت علاقته بهم وثيقة منذ أن وطئت أقدامه أرض مصر فى أول زيارة عمل عام 1945. استطاع خلال فترة وجيزة أن يقتحم صالونات المثقفين ومآدبهم. يسهر معهم على المقاهى الثقافية، وينافس الشعراء فى إلقاء القصائد، ووجد له مشجعين فى كل الأوساط الثقافية، التى دفعت به، وأعطته القوة ليستمر».
وأعطت القاهرة دواوين نزار دفعة قوية حين أعطى الحاج مدبولى حق طباعة سبعة عشر كتاباً له، لطبعها فى مصر، وشاركه فى تكلفة الطباعة، ثم خاطبه: «أموالى فى جيبك أكثر ضماناً لى من البنك». وكان يقول عنه: «أنا أحب مدبولى لأنه يحب الكتاب، ويعامله كأنه إنسان»، وعبر مكتبة مدبولى وصل نص نزار إلى أياد كثيرة فى مصر وخارجها، إذ كانت الدواوين تُطبع بغزارة، وأسعارها فى متناول الأيدى.
وفى القاهرة أيضاً كانت لنزار زيارة إلى كرمة بن هانئ، وهو بيت أمير الشعراء أحمد شوقى، وقت افتتاحه متحفاً له عام 1977، فيراه «الرجل الذى يعيش فى السماء، ولا يحل على الأرض إلا ليباركها»، ويقول عنه فى كلمة ألقاها بهذه المناسبة: «نحن مدعوون هذه الليلة إلى بيت شاعر عظيم. مدعوون إلى الخروج من دائرة الحجر والأسمنت التى تحاصرنا، والدخول إلى مملكة الحلم.. الشاعر ليس هنا، إنه مسافر منذ خمسة وأربعين عاماً، مسافر فى أيامنا، مسافر فى ضمائرنا، مسافر فى لغتنا، مسافر فى فرحنا وبكائنا، مسافر فى كتاب حبنا، وعيون حبيباتنا. نحن فى منزل الوحى، لكن مَن كان يوحى إليه ليس هنا، إن مواعيده فى السماء أنسته مواعيده فى الأرض.. نحن فى منزل الوحى، ولكن الوحى الذى كان يطيب له السكنى فى أجفان أحمد شوقى، صار يخاف النزول علينا، صار يخاف منا، صار يفكر ألف مرة قبل أن يلمس بجناحيه الذهبيتين أرضنا.. على صدر أحمد شوقى نضع رؤوسنا المتعبة، ونسترد طفولتنا، ونقرأ صلاتنا، علَّنا بالشعر نقترب قليلاً من ملكوت الله».