بقلم - عمار علي حسن
في القاهرة، كان لنزار قباني قصيدة رثاء خالدة لطه حسين، تُعد أجمل ما كتب في عميد الأدب العربي، حيث يقول نزار:
«ضوء عينيك أم هما نجمتان
كلهم لا يرى، وأنت تراني
ضوء عينيك أم حوار المرايا
أم هما طائران يحترقان
ارم نظارتيك ما أنت أعمى
إنما نحن جوقة العميان».
وفي القاهرة أيضاً احتفت الإذاعة والتليفزيون المصري بنزار، وكم كنت سعيدا حين وجدت على «يوتيوب» لقاءً له مع المذيعة سلوى حجازي، وقت أن كنت أُفتش عن لقاءات الكبار التائهة في تلافيف الشبكة العنكبوتية، وأخصّص لكل واحد من هؤلاء أياما، أسمع حوارات الواحد منهم، من أدباء ومفكرين، حتى أنتهي منه، فأنتقل إلى غيره.
كان نزار متفوقا على نفسه في هذا اللقاء، الذي جرى عام 1966، ولأهميته عاد إليه النويشي في كتابه، واقتبس منه كثيراً ليُدلل على ذائقة الرجل وقريحته، وإدراكه لأهمية الشعر، والسياقات التي تحيط بتجربته، والتصورات التي حلت في مخيلات الناس وأذهانهم عن قصائده، والاتهامات التي وجّهت إليه، وكيف كان عليه أن يرد عليه في تمهل وأناة، مثلما فعل أيضاً في حوار مع فاروق شوشة.
كان على نزار أن يرد السهام التي أطلقها كبار عليه، مثل العقاد الذى قال عنه: «نزار دخل مخدع المرأة ولم يخرج منه»، وتوفيق الحكيم الذى إن كان قد مدح تجدّد شعره وجرأته فقد لامه نزار على موقفه من عبدالناصر في كتاب «عودة الوعي»، ورآه واحداً من الذين «خرجوا من غرفة التخدير» ليقدح فيمن لم يجرؤ على نقده مباشرة في حياته، وصالح جودت الذى كتب يحرّض عليه ويطلب مقاطعة شعره، وعدم بث الأغنيات المأخوذة من قصائده، بعد قصيدة «هوامش على دفتر النكسة» التي هجا فيها نزار عبدالناصر إثر الهزيمة، وهو السبب نفسه الذى هاجمه لأجله أنيس منصور.
وعاد الهجوم على نزار حين هجا السادات بعد اتفاقية السلام مع إسرائيل، بكلمات غاية في القسوة، أزعجت السادات نفسه، وكيف له ألا ينزعج والشاعر رماه بأوصاف بشعة في قصيدة حواها ديوانه «اليوميات السرية لبهية المصرية»، بعد أن كان قد رثى الشهيد عبدالمنعم رياض في قصيدة بديعة، ومدح السادات نفسه عقب انتصار 1973.
وقال عنه إنه الرجل الذي أعاد للعرب كرامتهم. وهنا يقول النويشي: «رغم قسوة القصيدة لن نستطيع أن نلوم الشاعر على انفعاله وثورته، كما لا نستطيع أن نلوم الوردة على أشواكها الحادة».
ولم يكن كل هذا سوى جانب من التجلي الإنساني والفني لشاعر متمرّد، يرى النويشي أنه قد «تحدّى أصحاب العمائم والسياسيين في زمنه، وكتب حكاية المثلية التي لا تحكى، لمجرد التحدي، ولمجرد أن يجرّب شيئاً جديداً في الكتابة، لم يسبقه إليه أحد، وإن لم يعد إليها مرة ثانية، فهي لم تكن سوى مشاغبة من مشاغباته، كالطفل الذى يعض ذيل الأسد».
إنها قصيدة واحدة من قصائد عدة، منها «خبز وحشيش وقمر»، التي يقول عنها نزار بعد نشرها في مجلة «الآداب» البيروتية: «ما إن صدرت حتى قرعت أجراس الخطر في كل عواصم العالم العربي، وطالب المتزمتون بشنقي، وطردي من وزارة الخارجية السورية، لأنني حسب اجتهادهم، خُنت بلادي، انحرفت عن عقيدتي، وأصبحت عميلاً للأنتجنلس سيرفس».
لقد مُنع الكثير من قصائد نزار منذ الستينات وحتى وفاته، وشمل المنع مصر وسوريا والعراق وليبيا والأرض الفلسطينية، لكن ذهب المنع وبقيت القصائد يتغنّى بها الناس، وكل الأصوات التي هاجمته «طحنتها» عجلة الأيام، ولم يبقَّ في خزانة التاريخ سوى نزار قباني.