تناولنا بالأمس ثلاث نقاط من محدّدات طه حسين لإصلاح التعليم، وهنا نكمل:
4 - لا بد من إلغاء ثنائية التعليم بين مدنى ودينى، لأن هذا من شأنه أن ينتج عقليات مزدوجة التفكير.
ويتطلب القضاء على هذه الازدواجية إلغاء مدارس التعليم الدينى وإبقاء مدارس التعليم المدنى، مع إصلاح الأزهر، ليقتصر دوره على التعليم الدينى. ونادى «طه» بتوحيد التعليم، عبر وجود منهج مشترك بين المصريين جميعاً، وأن يخضع التعليم الأزهرى لهذه العملية، وحدّد وسائل هذا فى:
أ - يظل التعليم الابتدائى والثانوى جزءاً من الأزهر كما هو.
ب - يوضع منهج مطابق لمنهج التعليم العام فى وزارة التربية والتعليم، ويفرض على المعاهد الابتدائية والثانوية الأزهرية.
ج - تؤلف هيئة مشتركة من الأزهر ووزارة التربية والتعليم للإشراف من قُرب على تنفيذ هذا المنهج، وتتّخذ الوزارة وسائلها للتثبت من تنفيذه بالتفتيش والمشاركة فى الامتحان.
د - يوفق بين هذا المنهج وبين ما يدرّس فى الأزهر من علوم أساسية للتخصّص فى علوم الدين، ويكون ذلك بإصلاح المناهج الأزهرية، وإلغاء ما فيها من الترديد والتكرار.
وكان طه حسين يرى أن الأزهر ليس كغيره من المدارس، ولذا «خليق بالتعليم الدينى فيه أن يكون مهذّباً لأمرين.
الأول أن تتأتى له المحافظة على منزلته التاريخية.
والثانى هو أن يؤدّى إلى الدين حقه الذى أخذ نفسه به، وراضها على التزامه، والحرص عليه».
وقد طالب بأن تكون لغة التدريس علمية، وليست خطابية وإنشائية.
5 - تعامل طه حسين مع المدرسة باعتبارها المكان المنوط به تربية العقول وتحرير النفوس، ونواة بناء المجتمع والدولة.
6 - يجب ألا يقوم التعليم على الاستظهار أو الحفظ، وألا يقتصر على مجرد محو الأمية، فهذا ليس أكثر من إقامة الجهل على قواعد متعلمة.
7 - يُمثل المعلم الركن الأساسى، أو حجر الزاوية، فى العملية التعليمية برمتها، ولذا لا بد من إعداده إعداداً سليماً وكافياً ليؤدى مهمته على خير وجه.
وقد طالب طه حسين بمساواة المدرسين بالقضاة، وجعل من إنصافهم سبباً لسعادته قبل سعادتهم، حتى إنه أقسم أنه سيعمل حتى لا يترك معلماً واحداً يعانى من ظلم أو تأخر أو سخط أو حاجة ملحة، وقال: «لا يعرف شر على الحياة العقلية فى مصر من أن يكون المعلم الأولىّ كما هو عندنا سيئ الحال، منكسر النفس، محدود الأمل، شاعراً بأنه يُمثل أهون الطبقات فى وزارة المعارف».
وقد بذل العميد جهداً فى سبيل إنشاء نقابة للمعلمين، وأعدّ قانوناً لها وقت أن كان وزيراً للمعارف، ثم صدر بعد يوليو 1952.
8 - ضمن إصلاح التعليم، اهتم طه حسين بتيسير اللغة العربية، التى يجب، فى نظره، أن نجعل الكتابة بها سهلة «بحيث يستطيع الأطفال والشباب وهم يتعلمون أن يقرأوا ليفهموا، لا أن يفهموا قبل أن يقرأوا.. وليس بُد من أن ييسر النحو، بحيث يُمكن أن يكون سائغاً ملائماً للعقل الحديث، كما أن اللغات الأوروبية التى يتعلمها هؤلاء الشباب ميسرة سائغة ملائمة لعقولهم فى هذا العصر».