بقلم : عمار علي حسن
ما الذى يدفع مهندس كهرباء ناجح جدًا إلى تنظيم معرض لصور فوتوغرافية التقطها على مدار سنوات طويلة، ثم تجده واقفًا بين صفين لصور تتابعت فى طابقين بقاعة «صلاح طاهر» بدار الأوبرا؟ ربما يختصر عنوان المعرض الإجابة، أو يدل عليها، فهو «أحلام مؤجلة»، وهذا معناه أن الرجل الذى أسس شركة ناجحة فى مجال تخصصه، كان وهى تكبر أمام عينيه بفضل اجتهاده، يرى أن هذا ليس كافيًا، ولا يشبعه، سائرًا خلف هاتف يناديه من أعماق نفسه، فيشرع كاميرته فى وجه من وما يراه جديرًا بالالتقاط ـ وكم رأيناه جميلًا ومعبرًا ـ فيقتنص مع كل لقطة شيئًا من غبطة أو رضا أو امتنان أو إشباع نفس جعلت من الهواية مسارًا حياتيًا موازيًا.
المهندس أحمد حسين، الذى تجد فى بيته مكتبة، ويعقد فى مكتبه لقاءًا ثقافيًا شهريًا متنوعًا يسميه «صالون الثلاثاء»، تمتزح فيه المحاضرات والمداخلات بالموسيقى والغناء، لا يكتفى بهذا الحظ من الثقافة، إنما يشق لنفسه دربًا من الفن، هو التصوير، ثم يعتبره هدفًا آخر، وغاية تستحق السعى إليها، وإلا ما كلف نفسه عناء تنظيم هذا المعرض، ودعا إليه رفاقًا وأصدقاء وصديقات ومحبين للفنون، بل رأينا بينهم السيدة الكريمة والدته لأول مرة، وكأنه أراد أمامها أن يعلن نجاحه فى مجال آخر، أو يحظى بمباركتها لشيء أحبه، ويسعى فيه للتحقق والاعتراف.
يقول حسين عن معرضه فى دليل وزعه على الحاضرين: «كاميرتى أوفى الرفاق، تصاحبنى منذ خمسة وأربعين عاما، يتوكأ عليها شغفى، ويلوذ بها أملى، ولى فيها مقاصد أخرى. ألاحق بها ما يتسرب من العمر، وأصوب عدستها نحو آلام تأبى الرحيل، أراقب منها أضواء وظلال دروب لم تكتمل، وأستشرف بها أحلامًا ما زالت تنتظر محطة الوصول الأخيرة. أحلام مؤجلة. لن يكون معرضُا لصور أسيرة اللحظة، بل لمشاعر ومعان، تمردت على مقصلة النسيان. صور شاهدة على أحلام لم تهزمها الآلام، وإن عاشت لحين من الدهر على هامش رواية الحياة.»
هكذا يخبرنا حسين عبر كلماته هذه أنه ينشغل بما يمنحه لنا الهامش من جمال، مع بشر يحفرون تحت جدار سميك من أجل رغيف خبز واحد وطفلة ضحوك، حسب مقطع من قصيدة لأحمد عبد المعطى حجازى، فنرى صورة لفلاحة تتوكأ على قطعة من فرع شجرة غير مستو، ويطل خلفها باب بيت بسيط قديم، ونرى جامع قمامة يقف أمام صندوق فى شارع لا يدرى عابروه شيئًا عما يجيش بصدره، وصورة فلاح رسم الزمن على وجهه خيوط المشقة والحكمة، وصورة شاب يقف فى قارب يتهادى على ماء مستو، وينظر إلى شاطئ ينتظر عودته، وأخرى لطفل ترك شعره المتقلب بين نعومة وتجعد للنسيم، بينما عيناه ذاهبتان إلى أيامه المقبلة، تنظر إليها فى حيرة وتطلع، وصورة مؤثرة لعجوزين يتأبط كل منهما الآخر، وهما يسيران على مهل نحو عمق البحر، فى اتحاد بين معنى الموت الذى تشى به الشيخوخة، وذلك الذى يكون محققًا إن غمرهما الماء الهائج. يسيران معًا وقد حفر الزمن على ظهريهما خيوطه وخطوطه، وكأنهما منجذبان إلى هاتف بعيد يهمس لهما دون انقطاع: النهاية آتية لا محالة، ورجل يمد شصه صابرًا إلى الماء ممنيًا نفسه برزق يمنحه له بحر لا يدرى شيئًا عن أمانيه، وربما جوعه، أو رغبته فى التقاط الحكمة من خياشيم أسماك تنزع فجأة من الحياة إلى الموت. وصورة عجوز آخر اكتفى من البحر البراح والسكون، وله وحده يبوح بما يضنيه بينما يستند على عصاه ويرمى رأسه إلى الأمام وأسفل، مستدعيًا كل فصول حياته الذاهبة.
وصورة لأولئك الذين يجلسون فوق جسر خشبى يتوسط الماء، يعطون ظهورهم للشوارع، ويرقبون الخوف الساكن فى أعماق البحر. يختلف هؤلاء عن أصحاب صورة يلعبون كرة الماء فى أيام الاصطياف، باحثين عن مرح بأى ثمن، يمضى كدفقة ضوء ساطع فى قلب حياة حالكة الظلام، وعن رجل وامرأة يجلسان وحيدين على شاطئ نهر، فى هذه الأمسية البعيدة، بينما يطل عليهما جبل خفيض، حين ينعكس عليه ضوء اللمبات الشحيح، يزدهى كقطعة من ذهب خالص، وصورة طفلة تمد فمها إلى ماء صنبور لتروى ظمأها، وأخرى لفتاة حسناء تعرض جسدها الممشوق لتفتن به كل من يراها، وترمى طرحتها البيضاء لتغازل بها النسيم.
صور كثيرة لرجال ونساء فى لحظات تأمل وفرح وحزن وتطلع ورغبة فى تحسين شروط الحياة، وصور لحيوانات تشاطر البشر أوجاع الدنيا، حصان ينقل حوافره على مهل، بينما شمس الغروب تطل بين ساقيه الخلفيتين، وكلب تناثر على وجهه الرمل، وفيل يمد خرطومه إلى حيث رزقه. تختلط العوالم فى الصور، فيبدو الإنسان رفيقًا بالحيوانات، وتؤنسن الحيوانات لتفرض وجودها على البشر، فهى أيضًا، وفق هذه العدسة، قادرة على منحنا بعض الجمال العميق.
عشرات الصور البديعة المفعمة بالجمال والمعنى، جعلت الناقد الفنى سيد هويدى يصف عدسة أحمد حسين بأنها «تركز على الدراما الإنسانية عن أبطال لوحاته، واللحظة الحاسمة الفارقة والمؤثرة والمدهشة فى تجسيد واضح للمفهوم الفيزيائى للزمكان.. لكن هذا التوحد القسرى سعى إلى قيم جمالية رهيفة، لنشاط أغلب الأجيال التى حضرت كلها فى الأعمال دون استثناء».
إنها وثبة أولى للمصور «تحمل طاقة جاذبة إلى الأصل، وتعيد مجًدا مفتقدًا لهذا المجال الساحر الأثير من الفنون.. البطل الأوحد فيها هو الإنسان فقط.» حسبما يقول هويدى، فاتحًا أمامنا أفق السؤال عما دعا مهندس كهرباء ناجح إلى أن يبحث عن نجاح فى مسار آخر.
أعتقد أن الأمر يتعدى مجرد الاستجابة لهواية ما، فالصور تقول لنا بلا مواربة إننا أمام مصور محترف، يعرف إلى أين يوجه عدسته؟ ومتى يضغط الزر، ليوثق لحظات نادرة من الحياة؟ ومن ثم يمكننا التعامل مع المعرض على أنه تعبير عن رغبة صاحبه فى تحقق آخر، وهو أمر يشى به اختياره عنوانًا دالًا للمعرض هو «أحلام مؤجلة»، فالتأجيل هنا لا يخص تأخر معرضه خمسة وأربعين عامًا، إنما ينسحب أيضًا على رغبة دفينة فى نفس حسين ليضعه محترفو هذا الفن البديع بين صفوفهم.