بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
من أهم ما يميز عصر التنوير الأوروبى أنه لم يكن فكريًا وفلسفيًا فقط. فقد اتسم ذلك العصر بنزعة موسوعية واسعة شملت، إلى جانب الفكر والفلسفة، الأدب والفن اللذين بدأ ازدهارهما قبل ذلك فى عصر النهضة, وكذلك ما تيسر من علوم حديثة كانت فى بداياتها الأولى فى القرن الثامن عشر. فكان معظم مفكرى ذلك العصر موسوعيين بشكل أو بآخر. وعلى سبيل المثال كتب جان جاك روسو فى الاجتماع الإنسانى والتربية والموسيقى، إلى جانب اهتمامه الأساسى بالفكر والفلسفة. وكانت كتاباته عن الموسيقى عميقة ومُبدعة. فبدت كما لو أنها كتابة محترف وليس مفكرا يهوى هذا الفن الجميل. وقل مثل ذلك عن فولتير الذى كتب فى مجالات شتى فكرية وفنية, وسياسية أيضًا. ولذا اتسم الفكر التنويرى فى ذلك العصر بالتنوع المعرفى الخلاَّق الذى جعله نقطة تحول تاريخى من العصور الوسطى إلى العصر الحديث. وتجسد ذلك التنوع المعرفى فى «الموسوعة» التى شارك فى كتابتها ورسم لوحاتها عدد كبير من الكُتاَّب والباحثين، وأشرف عليها ديني ديدرو الذى يُعد الأكثر موسوعية بين المفكرين التنويريين الأوروبيين فى ذلك الزمن. فقد اختير ديدرو عام 1745 مديرًا لتحرير «الموسوعة». وكان معه مشاركًا فى إدارة التحرير زميله داليمبير حتى عام 1758. وبعده واصل ديدرو الإشراف على «الموسوعة» منفردًا حتى عام 1772 عندما نُشر الجزءان الأخيران منها فصارت تحفة معرفية غير مسبوقة فى تاريخ البشرية. لم يترك المشاركون فى تلك الموسوعة مجالاً فكريًا وفلسفيًا أو فنيًا أو أدبيًا إلا طرقوه ونظَّروا له وفيه، الأمر الذى جعلها مرجعًا بقى يُرجع إليه لعقود بعد إصدارها، وقبل أن يتقادم غير قليل من أجزائها. فلم يكتف معدوها بالكتابة، بل أضافوا إليها الرسم. فقد ضمت عددًا كبيرًا من اللوحات أيضًا. وربما يكون هذا الطابع الموسوعى لعصر التنوير أهم العوامل التى أتاحت للأفكار التى طُرحت خلاله تأثيرًا واسعًا فى كثير من أنحاء العالم.