بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
لم يغب الزعيم الراحل جمال عبدالناصر فى أى وقت عن الجدل العام فى مصر وبلاد عربية أخرى. ولا يحتاج تذكره إلى انتظار الذكرى الخامسة والخمسين لرحيله التى تحل اليوم. حاضرُ هو فى مديح أنصاره، كما فى هجاء خصومه. وهذا طبيعى بشأن زعيم أحدث تحولاً كبيرًا فى بلده، كما فى المنطقة العربية عمومًا، بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف على طبيعة نظامه السياسى واتجاهات سياساته الداخلية والخارجية. فهو, كغيره، له وعليه.
ولكن ما لعبدالناصر كثير، وما عليه أيضًا. ومع ذلك يتحدث أنصاره ويكتبون عما له فقط. فهو، عندهم، من أعاد للشعب المصرى كرامته ومكَّنه من أن يرفع رأسه، وحقَّق عدالة اجتماعية استعصى الوصول إليها قبل 1952. وهو أيضًا من أنتجت سياساته الاقتصادية والاجتماعية طبقة وسطى عريضة أُتيح لها تعليم مجانى وخدمات صحية وحياة كريمة. وهو كذلك من جعل مصر مركز المنطقة وقائدها، وتصدى للاستعمار الغربى ومصالحه وأحلافه، ودعم حركات تحرر عربية وإفريقية، وكشف الأطماع الصهيونية والأمريكية فى المنطقة وتصدى لها.
وإذ يتغاضى أنصار جمال عبد الناصر عن سلبياته يضعها خصومه فى بؤرة خطابهم بشأنه. فهو، عندهم، من أضر الزراعة المصرية عبر تفتيت الملكية الزراعية وهيمنة بيروقراطية السلطة التى تفتقر إلى الخبرة عليها. وهو من استنزف موارد الدولة لإقامة صناعات لم تكن كلها مدروسة أو ضرورية. وهو، أيضًا، من أقام نظامًا سياسيًا استبداديًا أنهى الانفتاح السياسى وأضعف المجتمع المدنى وحرم المصريين من حرية التعبير. أما «جريمته» الأكبر، عندهم، فهى هزيمة 1967 التى يرون أن سياساته الداخلية، وليست الخارجية فقط، مسئولة عنها.
لم يكف مرور 55 عامًا لوضع حد لهذا الجدال بين موقفين متعارضين بسبب عوامل من أهمها عدم التمييز بين نظام عبدالناصر ومشروعه. فليختلف المختلفون على نظامه. ولكن على خصومه إمعان النظر فى مشروعه التحررى الذى تجاوز حدود مصر وأثر فى المنطقة كلها. فهذا التمييز ضرورى لتكوين موقف موضوعى تجاه عبدالناصر الحاضر دائمًا لدى المصريين وكثير من العرب الآخرين.