بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
كان قد مضى 12 عامًا على تأسيس «جروبى» فى وسط القاهرة عندما صار أحد أهم منتديات النقاش السياسى فى مرحلة كانت بالغة الدقة فى مسار الكفاح المصرى من أجل الاستقلال والدستور. نشر الكاتب الكبير الراحل فكرى أباظة مقالة مهمة عن دور «جروبى» حينذاك فى صحيفة «الأهرام» فى 3 مارس 1921. ويروى المؤرخ الراحل عبدالعظيم رمضان جانبًا من هذا الدور فى كتابه «تطور الحركة الوطنية فى مصر من 1918 إلى 1936، «مستندًا إلى مقالة أباظة المشار إليها ومصادر أخرى. لم يكن «جروبى» فى ذلك الوقت مجرد محل يقدم ما لذ وطاب من أنواع المأكولات والمشروبات، بل منتدى ضم من سماَّهم أباظة «زهرة الشبيبة» المصرية الفتية ورجال الأمة المجربين». وبناء على ذلك نصح من يريد أن يشاهد ذلك الجمع ويتفاعل مع بعض من يضمه بارتداء أفضل ما لديه والذهاب إلى حديقة جروبى: «البس أشيك ما عندك متأنقًا ما استطعت التأنق، ثم سر إلى جروبى وادخل فى الساعة السادسة تمامًا برشاقة ورزانة، وألق بعد ذلك نظرة عامة على الموجودين فإنك ترى زعماء الطلبة تميزهم عيونهم البراَّقة وإشاراتهم الحادة ومظاهر العظمة والجبروت، وزعماء الوفديين المتطرفين تميزهم أمارات الجد والتفكير الطويل، وزعماء الوفديين المعتدلين تميزهم الابتسامات ذوات المعنى العميق، ومندوبى الحزب الديمقراطى تميزهم النظرة الأفلاطونية، ومحررى الصحف يميزهم اختلاس النظرات والإنصات لمختلف الأحاديث». ويضيف أنه «بعد ذلك تبدأ المناقشات ويالها من مناقشات .. والويل كل الويل حينما تشتبك إحدى الموائد مع الأخرى فى معركة كلامية».
ويختم د. رمضان، نقلاً عن أباظة، بملاحظة أن رواد جروبى حينذاك أجلوا المعارك الكلامية حتى يعود رئيس الوفد بعد أن انتشر خبر عن قرب عودته من المنفى. هكذا كان شأن الحياة السياسية المصرية قبل أكثر من مائة عام فى مرحلة اتسمت فيها بحيوية زائدة وراك سياسى واسع فى غمار الكفاح ضد الاحتلال الإنجليزى والمطالبة بالدستور.