بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
ليس جديدًا إعجاب بعض العرب بالحضارة الغربية. نجد أول تعبير عن هذا الإعجاب فى كتاب رفاعة رافع الطهطاوى «تخليص الإبريز فى تلخيص باريز» الصادر عام 1834 بعد عودته من بعثة تعليمية إلى فرنسا. وصل هذا الإعجاب لدى البعض إلى حد الانبهار والدعوة إلى الاقتداء بالغرب، فيما بقى محصورًا فى السعى إلى الاستفادة منه لدى بعض آخر منهم.
ولعلها مفارقة أن يزداد الإعجاب بالحضارة الغربية مع الوقت بدل أن يقل مع انكشافها الأخلاقى والقيمى الكامل فى العقود الأخيرة. كان المعجبون بالغرب فى بداية الاحتكاك معه أكثر عقلانية مما نجده اليوم. فبعض من يُسمون أنفسهم تنويريين اليوم يتماهون مع الغرب على نحو لا نجد مثله لدى من يجوز أن يعتبروا تنويريين فى آخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.
كان كُتاب ومثقفون مثل خير الدين التونسى وعبد الله النديم وشكيب أرسلان أكثر حذرًا من بعض التنويريين الآن. كان همهم الأساسى هو تفسير لماذا تقدم الغرب وتأخرنا، وما الذى يمكن أن نستفيده من تجربتهم دون التخلى عن تراثنا وقيمنا وتقاليدنا. هذا ما نجده فى كتب تمثل معالم أساسية فى طريق العلاقة مع الغرب، مثل كتاب خير الدين التونسى «أقوم المسالك فى معرفة أحوال الممالك» الصادر عام 1867، وكتاب عبدالله النديم «بِم تقدم الأوروبيون وتأخرنا والخلق واحد» الصادر عام 1890، وكتاب شكيب أرسلان «لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم» الصادر عام 1930.
كان هؤلاء الرواد مهمومين بالاستفادة من تقدم الغرب، مع إدراك خطر طغيان الوافد منه على الأصيل لدينا. كما لم يغب عنهم أن الحضارة الغربية أنتجت استعمارًا بغيضًا فى الخارج وفسادًا أخلاقيًا فى الداخل. ويتميز كتاب خير الدين التونسى بتخصيص جزء كبير منه لعرض تاريخ التقدم فى الغرب، وخاصةً فى أوروبا، بطريقة منظمة لتحديد ما يمكن أن يؤخذ منه، بشرط أن يكون موافقًا لشرعنا حسب تعبيره.
فقد أراد توضيح أن الاستفادة من الأفكار والمؤسسات الغربية ممكن بل ضرورى «مادامت لا تخالف الشريعة وتحقق مصالح المسلمين».