توقيت القاهرة المحلي 02:47:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السعودية قاعدة الاستقرارفي الشرق الأوسط

  مصر اليوم -

السعودية قاعدة الاستقرارفي الشرق الأوسط

بقلم : يوسف الديني

التحولات الكبرى في النظام الدولي لا تنشأ في لحظات التوازن الواضح بل تتكوّن عادةً في بيئات الفراغ والارتباك حين تتآكل القواعد القديمة من دون أن تحل محلها قواعد جديدة وحين تفقد القوى المهيمنة رغبتها أو قدرتها على لعب دور المنظِّم النهائي للنظام. ما نعيشه اليوم ليس مجرد أزمة سياسة خارجية أميركية وليس انحرافاً مؤقتاً في سلوك واشنطن، بل لحظة انتقال بنيوي يتراجع فيها النموذج الذي حكم العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية من دون أن يَظهر بديل مكتمل. في هذا الفراغ لا يسود الصدام الشامل ولا الاستقرار المنضبط، بل حالة رمادية واسعة تتحرك فيها الدول بمنطق إدارة المخاطر وكسب الوقت وتجنب الخسائر الكبرى، وهو ما يجعل الارتباك ذاته بيئة مولّدة للتحول وليست عائقاً أمامه.

في هذا السياق تمثل ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترمب الثانية لحظة كاشفة أكثر منها لحظة تأسيسية. فالسياسة الخارجية التي تبنّاها ترمب لم تكتفِ بتقويض أدوات القيادة الأميركية التقليدية بل نزعت عنها الافتراض الأخلاقي والاستراتيجي الذي حكمها لعقود، وهو أن مصلحة الولايات المتحدة تتجسد في صيانة نظام عالمي قائم على التحالفات والمؤسسات والقواعد. هذا الافتراض لم يعد حاضراً في واشنطن لا عند ترمب ولا لدى شريحة واسعة من النخب والرأي العام الأميركيين الذين أنهكتهم تدخلات فاشلة وعجز مالي متراكم وشعور متزايد بأن أعباء القيادة العالمية لم تعد مجدية. ترمب هنا ليس استثناءً، بل التعبير الأكثر صراحةً عن تحوّل أعمق في المزاج الاستراتيجي الأميركي.

التخلي الأميركي عن الدور التقليدي لم يُقابَل بثورة مضادة من الحلفاء، بل بسلوك حذر أقرب إلى التكيف الصامت. فالدول التي بنت أمنها وازدهارها لعقود على المظلة الأميركية وجدت نفسها فجأة أمام واقع لا تملك له بدائل جاهزة. لذلك لم تتجه إلى المواجهة، بل إلى المهادنة وكسب الوقت، على أمل أن تكون المرحلة عابرة وأن تعود واشنطن لاحقاً إلى دورها القديم. غير أن هذا الرهان قد يكون رغبوياً وغير واقعي. فحتى لو غادر ترمب البيت الأبيض، فإنَّ الأسس التي سمحت بعودته وبصعود خطابه الانعزالي لن تختفي في يوم وليلة.

نحن نعيش في منطقة تتحول إلى فراغ دولي، وحين تتراجع القوة المهيمنة من دون أن تختفي لا يولد نظام بديل فوراً، بل تبدأ سلسلة من التصحيحات التي تعيد تشكيل العلاقات الدولية من الأطراف لا من المركز، وفي اعتقادي أن العولمة لم تنتهِ أو تلاشت لكنها أعادت تموضعها خارج أقواس «واشنطن»، ويمكن تأكيد ذلك بأن التكتلات الإقليمية تعمّقت، واتفاقيات التجارة توسّعت، والتكامل الاقتصادي استمر لكن من دون مظلة سياسية جامعة.

في أوروبا كشف انكفاء واشنطن عن هشاشة مشروع الأمن الجماعي الذي بُني على افتراض الدعم الأميركي الدائم. ورغم الزيادات الكبيرة في الإنفاق الدفاعي فإنَّ القارة لا تملك على المدى القريب قدرة مستقلة على الردع أو إدارة الأزمات الكبرى من دون الولايات المتحدة.

آسيا بدورها اختارت مساراً أكثر براغماتية، فبدل الاصطفاف الحاد بين واشنطن وبكين تبنّت دولها استراتيجيات مزدوجة تجمع بين التعاون الاقتصادي مع الصين والتحوط الأمني ضدها مع الحفاظ على علاقات متذبذبة مع الولايات المتحدة. هذا السلوك لا يعكس تردداً بقدر ما يعكس فهماً لطبيعة المرحلة، حيث لا توجد مظلة واحدة كافية ولا خصومة واحدة حاسمة.

أخطر تداعيات هذا التحول ظهرت في الشرق الأوسط، حيث يتقاطع انكفاء الولايات المتحدة مع هشاشة بنيوية وصراعات مزمنة. فغياب الضامن الخارجي لا يفتح تلقائياً باب الاستقلال الاستراتيجي، بل قد يطلق سباق نفوذ إقليمياً ويُغري القوى التقويضية، وعلى رأسها إسرائيل ومن يحاول استلهام تجربتها بملء الفراغ عبر العنف أو الفوضى وأخذ زمام المبادرة بعد تراجع دور محور إيران ووكلائها.

في هذا السياق لا يملك الشرق الأوسط ترف الانتظار ولا خيار التعويل على عودة أميركية كاملة. التحدي الأساسي يتمثل في بناء توازن إقليمي يقلل من تكلفة الفراغ ويمنع تحوله إلى فوضى شاملة. وهذا يتطلب قيادة إقليمية قادرة على الجمع بين الردع والاستقرار، وبين التنمية والأمن، وبين الواقعية السياسية ورفض المشاريع التقويضية. هنا يبرز الصعود السعودي ليس بوصفه طموح قوة تقليدية بل بوصفه مشروع استقرار طويل المدى يسعى إلى إعادة تعريف دور الدولة ومنطقها في نظام إقليمي مضطرب.

الرياض قدمت خلال السنوات الأخيرة نموذجاً مختلفاً في التعامل مع التحولات الدولية. فبدل الارتهان للمظلات الخارجية أو الانخراط في مغامرات توسعية، ركّزت على بناء الداخل وتنويع الاقتصاد وتثبيت الاستقرار الإقليمي عبر مزيج من القوة الدبلوماسية والاقتصادية والأمنية. رؤيتها لا تقوم على ملء الفراغ بالقوة الصلبة وحدها، بل على تقليص مساحات الفوضى عبر التنمية والاندماج الاقتصادي ورفض منطق الميليشيات والمشاريع العابرة للدولة. هذا النهج يمنحها شرعية إقليمية تتجاوز الحسابات الآنيَّة، ويجعلها مرشحة لقيادة مسار عربي وإسلامي مضاد للفوضى... خلاصة القول؛ السعودية اليوم عنوان عريض لاستقرار الشرق الأوسط.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السعودية قاعدة الاستقرارفي الشرق الأوسط السعودية قاعدة الاستقرارفي الشرق الأوسط



GMT 22:04 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

لبنان المخاوف… والخوف الكبير

GMT 22:03 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

انقلاب السحر على الساحر في إيران!

GMT 22:02 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

بحثا عن أفق سياسي بين سوريا وإسرائيل…

GMT 21:57 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

إذا اعتمدنا على أخلاق ترامب

GMT 21:54 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

أول يوم مجلس نواب

GMT 21:47 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

DNA الكرة المصرية!

GMT 21:45 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

اللاعب رقم (13) فى السنغال

GMT 09:48 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

قوة اسرائيلية فجرت منزلا ببلدة كفركلا في جنوب لبنان

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 22:16 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية
  مصر اليوم - نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية

GMT 19:41 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس
  مصر اليوم - ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس

GMT 16:01 2025 السبت ,26 تموز / يوليو

زياد الرحباني نغمة معترضة على سلّم النظام

GMT 02:51 2025 الإثنين ,07 تموز / يوليو

نصائح لتصميم مطبخ مشرق وواسع الإحساس

GMT 09:09 2020 الإثنين ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الدولار في مصر اليوم الإثنين 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020

GMT 06:42 2020 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أول رد فعل من مرتضى منصور على قرار اللجنة الاوليمبية

GMT 10:31 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

تعداد سكان مصر يسجل 99810019 نسمة في الدقائق الأولى من 2020

GMT 12:49 2019 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

عمرو زكي يطمئن جمهوره بعد تعرّضه لحادث سير

GMT 23:10 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

عمرو سعد يسافر إلي لبنان من أجل تصوير "حملة فرعون"

GMT 10:01 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مي عبد اللاه تؤكّد أن أدب الرعب يُمكن أن يؤثّر على الشخص

GMT 20:23 2018 الأحد ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

تضارب الأنباء حول طلاق جورج كلوني وأمل علم الدين

GMT 06:57 2018 الإثنين ,29 تشرين الأول / أكتوبر

محكمة جنايات القاهرة تستدعي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك

GMT 23:39 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على ألوان مكياج العيون الرائجة في الخريف والشتاء

GMT 02:41 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

هبة قطب تكشف علاقة نوع الغذاء بالشهوة الجنسية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt