بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
كثيرة بل بلا حصر الانتقادات ضد الرأسمالية ونظامها الاقتصادى والاجتماعى منذ أوائل القرن التاسع عشر. كان كارل ماركس الأكثر جذريةً وشمولاً واعتمادًا على منهجية علمية فى نقد رأسمالية زمنه، وخاصةً فى كتابه ذى الأجزاء الثلاثة «رأس المال». لم يعد أحفاد ماركس السياسيون، أو من يعتبرون أنفسهم ماركسيين، فاعلين فى نقد الرأسمالية المعاصرة. أخذ يسار جذرى منهم زمام المبادرة فى هذا النقد، ومعه علماء وأساتذة انكبوا على دراسة الأبعاد الجديدة لرأسمالية زمننا، وفى مقدمتهم الفرنسى توماس بيكيتى فى كتابه «رأس المال فى القرن الحادى والعشرين» الصادر عام 2013.
ومن هؤلاء أيضًا أنطون براند الأستاذ المشارك فى جامعة باريس ـ دوفين فى كتابه الجديد «الرأسمالية والتقدم الاجتماعى» الذى ترجمه د. جون ماجد جبور ونشرته مؤسسة الفكر العربى فى بيروت. ينطلق براند من أن للرأسمالية آثارًا مدمرة إذا تُركت على هواها. ويرى أنها خلال قرنين من الزمن حطمت أُطر التضامن التقليدية مثل القرية والأسرة وغيرهما من أشكال القرابة. ولم تقدم ما تعرف بدولة الرعاية الاجتماعية تعويضًا كاملاً عن تلك الأطر التقليدية. كما أن هذه الرعاية قُلصت فى السنوات الأخيرة، إذ يجد كثير من الأفراد أنفسهم عرايا بلا غطاء اجتماعى أو ملاذٍ آمن. وتجد المجتمعات الغربية الآن، فى تصوره، صعوبات متزايدة فى كبح جماح الرأسمالية، الأمر الذى يضع التقدم الاجتماعى أمام طريق مسدود.
والمشكلة، عنده، أنه لا يوجد بديل جاهز من الرأسمالية. وربما لهذا السبب يلجأ إلى فكرة طرحها بيكيتى هى فصل ملكية رأس المال عن سلطة اتخاذ القرارات، فلا تعود الشركة مدفوعةً بالبحث عن مزيد من الأرباح فقط. ولكن ثبت أن هذا الفصل لا يمكن أن يكون كاملاً. فصاحب رأس المال أو المالك هو الذى يُعين الإدارة التنفيذية ويحدد اتجاهات عملها، ويظل مؤثرًا فى قراراتها حتى إذا حصلت على شىء من الاستقلال.
والحال أن معضلة الرأسمالية ستبقى قائمةً إلى أن يتيسر تطوير أفكار جديدة لنظام اقتصادى - اجتماعى يحد من مظالمها.