بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
أى نوع من الفرحة ذلك الذى يمكن الشعور به فى أجواء الصخب والضجيج التى تتسم بها الأفراح الآن، سواء التى تقام فى قاعات مخصصة لها فى فنادق وأندية، أو فى حدائق فيلات تخصص لهذا الغرض، أو فى أماكن مختلفة فى المناطق الشعبية. تلوث سمعى كامل الأوصاف يصم الآذان ويوجع الرءوس بفعل أصوات الموسيقى والغناء المُضخمة من خلال ميكروفونات عالية، وكأن الضوضاء والزعاق هما ما يخلق الفرحة المفترض أن يشعر بها أصحاب الفرح والمدعوون إليه.
لا يستطيع اثنان تبادل بضع كلمات وهما يجلسان متجاورين على منضدة أو أخرى فى قاعة أفراح، أو على هذا الكرسى أو ذاك فى فرح شعبى. وقد يتقابل اثنان بعد طول غياب ولا يستطيع أحدهما التحدث إلى الآخر والسؤال عن أحواله وكيف باعدت السنون بينهما، إلا إذا غادرا القاعة أو مكان الفرح إلى الخارج لفترة تقصر أو تطول.
لم يكن هناك مثل هذا التلوث السمعى فى أفراح الأمس التى كانت تقام فى أجواء فرح حقيقى بلا صخب وضوضاء، أو بالقليل أو أقل القليل منهما. كانت الأفراح تُقام غالبًا داخل البيوت التى تسمح مساحاتها الكبيرة بذلك، وليس فى قاعات الفنادق والأندية. أما إذا كانت مساحة المنزل صغيرة، فكان الفرح يُقام على سطح البناية أو فى سرادق فى الشارع أمامها أو بالقرب منها. كانت طقوس الفرح حينذاك أكثر تعبيرًا عن الفرحة الحقيقية بالمناسبة السعيدة.
اختفت بعض هذه الطقوس من أفراح اليوم الصاخبة أو كادت. ومن أهمها توزيع شربات الفرح. كان هذا الطقس هو الأكثر دلالة على الفرحة. تخلو قائمة الطعام والشراب فى أفراح الفنادق والأندية من هذا الطقس، كما من الأجواء التى كانت تحيطه. وقل مثل ذلك عن علبة الملبس التى كانت طقسًا ثانيًا مميزًا لأفراح الأمس حين كانت الفرحة فى القلب وليس فى الأصوات الصاخبة الزاعقة.
والحال أن هذا التحول فى طبيعة الأفراح يعبر عن تغير ثقافى واجتماعى نعود إليه فى وقت لاحق.