بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
يوجد اعتقاد واسع فى أن الحرية هى القيمة العليا فى الفكر الليبرالى، بل هناك من يعتقدون أن الليبرالية هى الحرية أولاً وأخيرًا. ولذلك فعندما بُدئ فى نشر ترجمات عربية لكتابات غربية فى آخر القرن التاسع عشر استُخدمت كلمة حرياتية كترجمة لليبرالية كما أُطلق على الليبراليين حُريين.
ورغم أن للحرية مكانًا متقدمًا ومكانةً مميزة بين القيم الأساسية فى الفكر الليبرالى فهى ليست القيمة العليا بل الفردية. ويُقصد بالفردية أن للإنسان الفرد مجالاً خاصًا ينبغى أن يتمتع فيه بالاستقلال، وأن تتوافر الضمانات اللازمة لاحترامه مع حظر أى تدخل فيه بغير القانون الذى يتعين أن يحمى هذه الفردية كأصل ثابت، ويحدد الحالات التى يجوز التدخل فيها باعتباره استثناءً من ذلك الأصل. فلا يجوز لحكومة أو أى سلطة عامة التدخل فى حياة الأفراد على أى نحو بدءًا من اختيار مأكلهم ومشربهم وملبسهم، ووصولاً إلى آرائهم وأفكارهم ومرورًا بكل ما تشمله حياتهم من تفاصيل كبرت أو صغرت. فالحرية لا تستقيم فى الرؤية الليبرالية للإنسان والحياة دون مجال خاص لكل فرد لا يجوز لأحد اقتحامه، وإلا وقع تحت طائلة القانون الذى ينبغى أن يحمى هذا المجال ويمنع أى تعد عليه.
وقد بدأ الاهتمام بالفردية كقيمة لا تبارى فى أهميتها لدى معظم المفكرين الذين يصنفون عادةً بوصفهم ليبراليين بشكل ما قبل تبلور الفكر الليبرالى مثل جون لوك وجيمس ميل. ولكن الفردية لم تُشرح بتوسع وتفصيل إلا بدءًا من كتاب بنيامين كونستان «حرية القدماء مقارنة بحرية المحدثين» الصادر عام 1819. ولذلك ربما يجوز القول إن الفردية هى أهم القيم الحديثة التى لم يعرف الفكر الإنسانى مثلها قبل ظهور الليبرالية.
ويرتبط هذا الإيمان بالفردية برؤية أوسع للطبيعة البشرية. فالإنسان فى الفكر الليبرالى كائن عاقل قادر على تقدير كل ما يتعلق بحياته ومستقبله وفق ما يهديه إليه عقله بغض النظر عن رغبات الآخرين وتصوراتهم. ولكن هذا كله سيظل حبيس نصوص نظرية فى الوقت الذى تتهاوى الليبرالية فى معاقلها الأساسية.