ما هي الجائزة الحقيقيّة النهائيّة التي يسعى إليها مثلّث الولايات المتّحدة وإسرائيل وإيران من هذه الحرب الإقليميّة المدمّرة الباهظة التكاليف؟ هل تساوي الثمن الذي دفعه الجميع والذي يُنتظر أن تدفعه القوى المحاربة والجيران والعالم؟ هل يشعر كلّ طرف، أي بنيامين نتنياهو ودونالد ترامب ومجتبى خامنئي، أنّه تورّط في الدخول والتصعيد؟ هل يبحث عن مخرج مشرّف وآمن يسعى إلى تسويق نفسه فيه منتصراً أمام جمهوره؟
تأتي بداية خيط الإجابة من طرح السؤال المنطقيّ – العظيم، وهو: ما هي الحرب؟
من أدقّ الإجابات في تعريف الحرب هو ما كتبه المؤرّخ الشهير ويل ديورانت: “الحرب هي أمّ كلّ الموجودات، والسلام توازن غير مستقرّ وحسب”، ثمّ قال إنّ “الحرب ثابت تاريخيّ لا يتناقض مع الحضارة”.
ربّما أهمّ ما استوقفني في حديث ديورانت عن الحرب أنّها “وسيلة يثبت بها الأقوياء هيمنتهم بينما يدفع الفقراء ثمنها”. في حالة الحرب الإقليميّة القائمة نكتشف أنّ هناك أهدافاً شريرة للأطراف المتصارعة، سواء بممارسة القوّة بشكل مباشر أو بأسلوب أخذ الرهائن وممارسة “الابتزاز”.
تقول التقديرات إنّ أدنى دخل يمكن أن تحصل عليه إيران لا يقلّ عن 250 مليار دولار تقريباً. هنا يركّز ترامب في أن لا تنفرد إيران بهذه الأتاوة وحدها، أي لا تأكل إيران هذه الدجاجة الذهبيّة
ترامب… المقاول دائماً
دونالد ترامب الذي يحرّكه منطق “مقاول العقارات” والذي يتولّى منصب أعلى سلطة تنفيذيّة لأكبر وأقوى دولة في العالم، يسعى دائماً وأبداً إلى استخدام القوّة أو التلويح بها وممارسة الضغط الأقصى على الجميع بلا استثناء من أجل تحصيل “أتاوات مادّيّة” ينقذ بها الاقتصاد الأميركيّ المأزوم الذي يتعرّض لـ3 أخطار:
1- خطر تضخّم الدين العامّ حتّى وصل إلى 38 تريليون دولار، وهو ما يجعل كلّ مواطن أميركيّ مديوناً حتّى نهاية هذا القرن.
2- خطر الصعود القويّ للاقتصاد الصينيّ وتطوّر اقتصادات دول مثل الهند واليابان والبرازيل وجنوب إفريقيا وبعض جنوب شرق آسيا، وتحديداً كوريا الجنوبيّة.
3- خطر ظهور جماعات سياسيّة اقتصاديّة تهدّد مكانة الدولار الأميركيّ بما هو عملة تسعير وتداول عالميّ مثل البريكس ومنظّمة شنغاي ومنظّمة آسيان.
أهداف القوى العميقة
من هنا نفهم الدور الوظيفيّ الأساسيّ للقوى العميقة التي دعمت وساندت شخص ترامب واختارته منذ فترة الرئاسة الأولى من أجل تحقيق الأهداف التالية:
إنقاذ الولايات المتّحدة من التزامات العولمة في الخارج والالتزامات الاجتماعيّة المكلفة في الداخل التي تعهّد بها رؤساء ديمقراطيّون مثل بيل كلينتون (8 سنوات)، باراك أوباما (8 سنوات) وجو بايدن (4 سنوات)، طوال 20 عاماً من السياسة المضادّة للمجمّع الصناعيّ العسكريّ والقوى الرأسماليّة الأميركيّة المتوحّشة.
تغيير معادلة القبول بدور عالميّ متصاعد لدول مثل الصين والهند وروسيا.
خلق مسارات وقواعد متمرّدة على الاتّفاقات الدوليّة وشرعيّة المنظّمات الدوليّة والتزامات الحلف الأطلسيّ والدول السبع الكبار، تكون فيها المصلحة الأميركيّة أوّلاً وأخيراً وقبل أيّ شيء وبأيّ ثمن.
من هنا يمكن فهم “تحطيم ترامب الممنهج” لكلّ قواعد النظام العالميّ المستقرّ أو المعمول به منذ ما بعد إنشاء منظّمة الأمم المتحّدة. من هنا أيضاً يمكن فهم قيام ترامب بالآتي:
1- التوقّف عن دفع مساعدات لأوكرانيا.
2- السماح باستخراج النفط الأحفوريّ داخل أميركا مخالفاً سياسة حماية البيئة.
3- فرض تعرفة جمركيّة عالميّة على كلّ الواردات إلى الولايات المتّحدة.
4- دعم نقل كلّ المصانع الكبرى التي كانت تعمل في الصين وآسيا والمكسيك وكندا إلى داخل الأسواق الأميركيّة.
5- السعي إلى الحصول على استثمارات تصل إلى 5 تريليونات دولار من دول الخليج.
6- الحصول على أهمّ مكسب في عمليّة فنزويلا، وهو توفير 50 مليون برميل من النفط ومنع وصول الصين إلى هذه الإمدادات.
7- الإصرار على أن تدفع دول الحلف الأطلسيّ 2% من موازنتها السنويّة لتمويل الحلف.
تهدف إيران إلى السيطرة الكاملة على المضيق بحيث تتّفق مع العالم، برضى أميركيّ، على تحصيل رسوم على كلّ ناقلة نفط أو حاوية تجارة، كأنّها أتاوة أمر واقع
الأهداف غير المنظورة
من هنا أيضاً يمكن فهم الهدف البعيد لعمليّة ضرب إيران. ليست العمليّة لإسقاط النظام لأنّه ضدّ حقوق الإنسان أو لأنّه دكتاتوريّ تسلّطيّ أو لأنّه مذهبيّ يستخدم الدين في التمدّد الإقليميّ. من منظور ترامب العملية تهدف لاستخدام المقايضة بعدها على:
استفادة الشركات الأميركيّة عند الإفراج عن أرصدة إيران المجمّدة وعن مبلغ 250 مليار دولار يشرف على استثمارها وتحريكها مجتبى خامنئي شخصيّاً منذ عام 2019. باختصار نتحدّث عن 500 مليار دولار سائلة.
الحصول على حصّة للشركات الأميركيّة من عمليّات الاستكشاف والنقل والتأسيس ومصافي البترول والغاز الإيرانيَّين. إيران هي الرابعة في الاحتياطات النفطيّة والثانية في احتياطات الغاز بعد روسيا.
استخدام الموقع الاستراتيجيّ لإيران الجارة لـ14 دولة، والتي تشكّل جغرافيا مؤثّرة بالنسبة لروسيا ودول قزوين والمحيط الفارسيّ. أمّا السرّ العظيم في إيران فيكمن في مضيق هرمز الذي يتحكّم بـ20% من تجارة العالم في البضائع والطاقة. يمرّ من مضيق هرمز 20 مليون برميل يوميّاً من النفط والغاز المسال والحاويات التجاريّة.
منطق أخذ الرّهائن والمقايضة
بالنسبة للإيرانيّ هناك منطق أخذ الرهائن أيضاً والمقايضة بهم. هذا منهج نظام الملالي منذ تسلّمهم السلطة عام 1979 بدأ بالمقايضة على رهائن السفارة الأميركيّة وتلغيم المحيط الفارسيّ واستخدام الوكلاء مثل “حماس” و”الحزب” مع واشنطن وتل أبيب واستخدام الحوثيّ مع المملكة السعوديّة، وأخيراً التهديد بإغلاق مضيق هرمز.
تهدف إيران إلى السيطرة الكاملة على المضيق بحيث تتّفق مع العالم، برضى أميركيّ، على تحصيل رسوم على كلّ ناقلة نفط أو حاوية تجارة، كأنّها أتاوة أمر واقع.
تقول التقديرات إنّ أدنى دخل يمكن أن تحصل عليه إيران لا يقلّ عن 250 مليار دولار تقريباً. هنا يركّز ترامب في أن لا تنفرد إيران بهذه الأتاوة وحدها، أي لا تأكل إيران هذه الدجاجة الذهبيّة.
إنّه منطق ترامب نفسه الذي تضمّنته فكرته عن مشاركة قناة بنما في إيراداتها أو شراء غرينلاند أو توقيع اتّفاق للحصول على الموارد الطبيعيّة من أوكرانيا أو فرض خوّة تحت اسم ضريبة على الواردات لبلاده.
دونالد ترامب مثله مثل الإيرانيّ مبتزّ يستخدم القوّة لفرض أتاوات تحت شعارات وطنيّة، لكنّها عمليّات شرّيرة تعتمد على القوّة.