توقيت القاهرة المحلي 13:41:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

“فتح” في زمنَيْ عرفات وعبّاس (1/2)

  مصر اليوم -

“فتح” في زمنَيْ عرفات وعبّاس 12

بقلم : نبيل عمرو

إذا اعتمدنا الأوّل من كانون الثاني يوماً رسميّاً لولادة حركة فتح وجناحها العسكريّ قوّات العاصفة، فسوف يكون عمرها حين يُعقد مؤتمرها الثامن واحداً وستّين عاماً. تكون بذلك عقدت ثلاثة مؤتمراتٍ عامّةٍ على أرض الوطن، سبقتها خمسة مؤتمراتٍ في المنفى. الاثنان اللذان عُقدا على أرض الوطن كانا تحت زعامة محمود عبّاس، والخمسة التي سبقت كانت تحت زعامة ياسر عرفات.

على مدى عمرها المديد وإلى أن ظهر الإسلام السياسيّ، بتجسيده الفلسطينيّ حركة حماس، المنافِسة على المكانة الأولى في الحالة الفلسطينيّة، كانت “فتح” من خلال احتكارها القيادة عبر منظّمة التحرير تتبوّأ موقع المركز في الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة، بكلّ تشكيلاتها واجتهاداتها الفكريّة والسياسيّة.

تحلّ “فتح” أيضاً في موقع المركز من حيث الإنجازات الرئيسة التي تحقّقت، وعنوانها الأبرز وربّما الأهمّ هو اعتراف العالم كلّه، بما في ذلك الخصوم، بمنظّمة التحرير تحت قيادتها ممثّلاً شرعيّاً وحيداً للشعب الفلسطينيّ.

كانت “فتح” مُطلقة الرصاصة الأولى في الثورة المسلّحة، ومُؤسّسة طاولة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. بفعل ذلك عادت إلى أرض الوطن لتدخل وتُدخل معها الحالة الفلسطينيّة في مرحلة جديدة، من أهمّ خصائصها التوقّف رسميّاً عن العمل المسلّح، والانصراف كلّيّةً إلى تأسيس السلطة الوطنيّة على أيّ جزءٍ يتمّ الانسحاب الإسرائيليّ منه حتّى لو كان محدود المساحة بحجم غزّة وأريحا.
مع انحدار الحالة السياسيّة وانهيار مشروع أوسلو، وتراجع مكانة ونفوذ “فتح”، وتفاقم الصراع الداخليّ فيها، تمكّنت حركة حماس من طرح نفسها بديلاً عمّن وصفتهم بالمفرّطين بأغلى ما ملك الشعب الفلسطيني

الغطاء قرار قديم

كان الغطاء السياسيّ لما أقدمت عليه قراراً قديماً صدر عن المجلس الوطنيّ أجاز إقامة السلطة الوطنيّة على أيّ جزءٍ من الأرض ينسحب منه الاحتلال، إضافةً إلى تقديرٍ سياسيّ يعتبر أنّ أرض السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة، بحدودها الجغرافيّة والسياديّة، هي المتّفق عليها مع إسرائيل. هي حالةٌ انتقاليّةٌ ستُفضي خلال خمس سنواتٍ إلى قيام الدولة الفلسطينيّة على كامل الأرضي التي احتُلّت عام 1967، مع فتح ملفّات ما وُصف بقضايا الحلّ الدائم، مثل الحدود واللاجئين والاستيطان والمياه.

دخلت “فتح” وعرّابها ياسر عرفات إلى هذه التجربة الأقرب إلى المجازفة، بفعل دافعين جدّيَّين:

    استحالة بقاء القيادة على بعد آلاف الأميال من الوطن، بعدما فُتحت بوّابةٌ للعودة إليه.
    إجماعٌ إقليميٌ ودوليّ على اعتبار مدريد وأوسلو وما نجم عنهما فرصةً تستحقّ الدعم والتبنّي وإعفاء الفلسطينيّين من التهمة الملتصقة بهم، وهي أنّهم لم يتركوا فرصةً لإضاعة الفرص إلّا واغتنموها.

من قائد ثورة إلى قائد مجازفة

انتقل مركز العمل الفلسطينيّ من المنفى إلى أرض الوطن، وانتقل وضع عرفات من قائدٍ لثورةٍ مسلّحة معظم قواها وفعّاليّاتها في المنفى، إلى قائدٍ لتجربةٍ أقرب إلى المجازفة، مركزها ما أمكن الحصول عليه من الوطن. وذلك مع قليلٍ من الانتباه لمضاعفات ومحاذير بناء سلطةٍ ثمّ دولة، انقسم الإسرائيليّون حولها مناصفة بفارق صوتٍ واحدٍ في برلمانهم.

تجاذبت حركةَ فتح رمالٌ متحرّكة من داخلها ومن حولها: اندفع فريقٌ ضخمٌ من أعضاء وكوادر الخارج مع فريقٍ أضخم من منتسبي الداخل، فنشأت إشكاليّاتٌ عديدة، شديدة التأثير السلبيّ على حالتها بإجمالها. رأى القادمون من الخارج أنفسهم بحكم التجربة والممارسة السياسيّة والدبلوماسيّة والإداريّة أكثر أحقّيّة من زملائهم المقيمين على أرض الوطن، الذين يحملون بمعظمهم على كاهلهم سنوات اعتقالٍ من سنةٍ على أقلّ الأقل حتّى المؤبّد. حمل ذلك ياسر عرفات، الذي هو رئيس كلّ شيء في “فتح” والمنظّمة والسلطة والداخل والخارج، على الانهماك في توزيع المراتب والمواقع، ليس وفق معيار الكفاءة المهنيّة، وإنّما وفق المعايير النضاليّة والاسترضائيّة، التي وصلت حدّ معادلة سنوات السجن بسنوات التحصيل الجامعيّ، وتوريث من كانوا مسؤولين في الخارج مواقع مماثلةً في الداخل.

مثلما كان كلّ نجاح يُنسب إلى “فتح” وقيادتها الاحتكاريّة للمؤسّسات الوطنيّة، كان لا بدّ أن يُنسب كلّ فشلٍ في أيّ اتّجاه إليها، لكن هذه المرّة يصيب الفشل التجربة الفلسطينيّة الجديدة بجملتها وتفاصيلها.
انتقل مركز العمل الفلسطينيّ من المنفى إلى أرض الوطن، وانتقل وضع عرفات من قائدٍ لثورةٍ مسلّحة معظم قواها وفعّاليّاتها في المنفى، إلى قائدٍ لتجربةٍ أقرب إلى المجازفة

البناء على أساسات غير مكتملة

بُنيت سلطة “فتح” ومنظّمة التحرير وإمكانيات التحوّل إلى دولة على أساساتٍ غير مكتملة تجسّدها هشاشة الالتزامات الإسرائيليّة التي اتُّفق عليها في أوسلو، وما تلاها من تفاهماتٍ انبثقت عنها، وكان أن اندمجت “فتح” كليّاً في السلطة، على الرغم من ادّعاء بعضها وجود فارقٍ بدا وهميّاً بينها كإطارٍ كفاحيٍّ وبين السلطة كإطارٍ حكوميّ، وكان أن تحمّلت “فتح” وزر التراجعات الفادحة في مشروع التسوية الذي هو مشروعها، وهو ما وضع بيد “حماس” المنافِسة رصيداً ثميناً أجادت استخدامه لإنهاء نفوذ “فتح” في غزّة، وزعزعته في الضفّة والمشاغبة عليه في كلّ مكان.

مع انحدار الحالة السياسيّة وانهيار مشروع أوسلو، وتراجع مكانة ونفوذ “فتح” من خلال فشل رهانها على التسوية، وتفاقم الصراع الداخليّ فيها، تمكّنت حركة حماس من طرح نفسها بديلاً عمّن وصفتهم بالمفرّطين بأغلى ما ملك الشعب الفلسطيني، الكفاح المسلّح، دون انتباهٍ من جانبها إلى أنّها في فتراتٍ سابقة لم تعتنق الكفاح المسلّح أصلاً، وفي كثيرٍ من أدبيّات الإسلام السياسيّ، كان يُنظر إليه كانحرافٍ تجدر محاسبته.

موت عرفات

إلى جانب العوامل المشار إليها جاءت قاصمة الظهر في وقتٍ حرج، حين مرض عرفات وغاب عن الساحة بالموت.

كانت “فتح”، بل الساحة الفلسطينيّة كلّها، تعوّدت على قيادته ومركزيّة تأثيره في الحياة السياسيّة الفلسطينيّة، ولذا حين غاب وانتقلت السلطة بسلاسةٍ إلى محمود عبّاس، انتقلت “فتح” والحركة الوطنيّة الفلسطينيّة إلى حالة ارتباكٍ قياديٍّ فادح، لم تتمكّن “فتح” ولا رئيسها الجديد من معالجته، بفعل الفارق في القدرات القياديّة. الفارق أيضاً ربّما يكون الأهمّ في الحالة السياسيّة، بين البدايات التي جسّدت قوّة وصدقيّة المشروع، والنهايات التي بدأت في عهد عرفات بالانتفاضة المسلّحة، ثمّ تتطوّر سلباً في عهد أبي مازن إلى ما نحن فيه الآن من وقوع الحالة الفلسطينيّة في حفرة الانقسام الخطِر، وانسداد الآفاق نحو إنقاذ رهان التسوية وكلّ ما بُني عليه، ويثور سؤال الساعة: كيف هو حال “فتح” بعد هذا كلّه؟

الإجابة غداً في الجزء الثاني.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

“فتح” في زمنَيْ عرفات وعبّاس 12 “فتح” في زمنَيْ عرفات وعبّاس 12



GMT 05:47 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

البعثة القمرية

GMT 05:35 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

كله من "هرمز"!

GMT 05:31 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

الأميركيّ والإيرانيّ شريكان في الابتزاز!

GMT 05:26 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

صفقة ظريف غير الظريفة

GMT 05:20 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

نحن... وإسرائيل في عصرها «الكاهاني»!

GMT 04:59 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

هُرمز: توقيف قسري للسلام

GMT 04:56 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

مضيق هرمز ؟

GMT 04:55 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

ذكريات روسية!

GMT 12:45 2021 السبت ,06 شباط / فبراير

تجاربك السابقة في مجال العمل لم تكن جيّدة

GMT 09:40 2020 الإثنين ,07 كانون الأول / ديسمبر

كفتة بطاطس

GMT 15:32 2024 الثلاثاء ,30 إبريل / نيسان

تحديات تحولات الكتابة للطفل في العصر الرقمي

GMT 09:45 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

نصائح لثبات العطر لمدة تدوم اطول

GMT 23:12 2017 الأربعاء ,11 تشرين الأول / أكتوبر

ميرنا وليد تلتقي مصطفى فهمي وإلهام شاهين وتحضر لعمل معهما

GMT 07:02 2025 الخميس ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

وزير الكهرباء المصري يكشف عن اتفاق نووي جديد مع روسيا

GMT 10:22 2018 الإثنين ,05 آذار/ مارس

باريس هيلتون تلبس فستانًا في "Maison de Mode"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt