توقيت القاهرة المحلي 15:49:12 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حقيقة أزمة القضاء

  مصر اليوم -

حقيقة أزمة القضاء

فهمي هويدي

حين يشعر القضاة بالخطر فإن العدل يصبح فى أزمة. ولأنه أساس الملك فإن أزمة العدل تعنى مباشرة أن الوطن فى أزمة. تلك كانت خلاصة خرجت بها بعدما وقعت على تفصيلات مشروع جديد لما سمى «الأمن القضائى» فى مصر. إذ شرحه لنا مسئول فى وزارة العدل اكتشفنا أنه مساعد الوزير للأمن القضائى، وذلك فى حوار نشرته جريدة الأهرام يوم الجمعة الماضى ١١/١٢. ولم أكن وحدى الذى فوجئ بأن القصة لها خلفية ترجع إلى شهر يونيو الماضى حين أصدر آنذاك وزير العدل قرارا بإنشاء قطاع بذلك الاسم بدعوى تأمين القضاة ضد خطر الإرهاب. ذلك أن آخرين ممن أعرف لم يسمعوا بالخبر من قبل وشاركونى الشعور بالامتعاض والدهشة، ليس فقط لأن باب المزايدة على موضوع الأمن بات مفتوحا على مصراعيه، إذ ما عدنا نتحدث عن استحقاقات الأمن القومى أو حتى الأمن الغذائى أو المائى، وإنما صرنا نشهد تسابقا على إجراءات أمن الجامعات والأمن الفكرى والأمن الإعلامى، فضلا عن الأمن السياسى بطبيعة الحال وفهمت من الحوار المنشور أن اغتيال القضاة الثلاثة فى العريش والنائب العام السابق هشام بركات فى القاهرة، وراء إطلاق فكرة الأمن القضائى. وربما أسهم فى ذلك قلق بعض الدوائر على القضاة الذين أصدروا أحكاما مبالغا فى تشددها على المتهمين فى القضايا السياسية، إلا أننى لم أقتنع بالفكرة لأن الحفاظ على الأمن مسئولية جهات أخرى، ولا يفهم أن تلجأ كل جهة يتعرض بعض أفرادها لاحتمال الاعتداء إلى إنشاء منظومة أمنية خاصة بها. علما بأن الاعتداءات التى يتعرض لها الأطباء مثلا أكبر بكثير مما تعرض له القضاة، ومع ذلك فلا يعد ذلك مبررا لاستصدار قرار لتأسيس جهاز يتولى رعاية أمن الأطباء.
صحيح أن مصطلح الأمن القضائى ليس جديدا تماما، ولكنه متداول فى أقطار أخرى منها المملكة المغربية لكن له مفهوما آخر يختلف عن المقصود به فى مصر، فالمصطلح فى المغرب يراد به ترسيخ الثقة فى المؤسسة القضائية والاطمئنان إلى ما يصدر عنها، وقرأت أنه متداول أيضا فى فيتنام إلا أنه يراد به هناك إنشاء قوة خاصة لتنفيذ الأحكام القضائية. وفى كندا ينصرف المعنى إلى إقامة نظام مبتكر للمساعدة القضائية، أما المراد به فى مصر فهو تأمين القضاة وأعضاء النيابة وتطوير وحدات الأمن فى المحاكم والجهات القضائية. وذلك بالتنسيق مع الجهات المسئولة عن الأمن فى الدولة، وكما ذكر المستشار مجدى حسين عبدالخالق مساعد الوزير المسئول عن القطاع فإن الأمن القضائى فى نهاية المطاف هو أمن إدارى غير مسلح، لكنه على تواصل دائم مع الجهات الأمنية فى الدولة. ذكر مساعد الوزير أيضا أنهم بصدد تخصيص إدارات للأمن القضائى فى جميع المحاكم والمنشآت القضائية، مع تعيين كوادر أمنية بتلك الإدارات من أناس لهم خبرة أمنية ويتمتعون باللياقة البدنية اللازمة. أفادنا الرجل كذلك بأنه تم إبرام بروتوكولات تعاون مع خمس محافظات لتأمين المحاكم والمنشآت القضائية من خلال وسائل عدة منها توفير البوابات الإلكترونية وكاميرات المراقبة. كما تم تزويد بعض المحاكم بأجهزة اتصال لاسلكية حديثة توفر شبكة تواصل دائم مع غرفة عمليات العدل والقضاة على نحو يتعذر معه التشويش أو التنصت.
الأهم والأخطر من ذلك أن القاضى فى ظل هذه الأوضاع سوف يفقد استقلاله فضلا عن هيبته، ذلك أنه سيصبح فى حماية الدولة وكفالتها. وأن أمنه لم يعد مستمدا من عدله، ولكن من رعاية الدولة له والحراس الواقفين ببابه أو المرافقين له فى حركته، وهو ما يبعث على القلق، لا القضاء استمد مكانته وشموخه من خصوصية بنائه وتفرده. إذ تكون ذلك البناء من وحدات صغيرة لكل منها ذاتيته المستقلة بما يعنى أن قرار القاضى ينبع من ذاته وقناعته الخاصة، وهو فى ذلك يظل منفصلا عن محيطة، فلا اعتبار عنده لرئيس فوقه أو نظير يعادله. وذلك معمار يهتز ويفقد خصوصيته فى ظل الوضع المستجد، ذلك أنه يضعف كثيرا موقف القاضى لأنه يشعره بأنه فى حماية السلطة وأن ما يكفل له الأمان ليس العدل الذى يتحراه ولكن الأعين التى تحرسه.
إن تسطيح المشهد واختزاله فى قرار بإنشاء وحدة للأمن القضائى ينم عن تسرع له تأثيره الفادح على مستقبل ذلك المرفق الجليل الذى ينبغى أن يتم التعامل معه بما يليق بمكانته وخطورته فى المجتمع. ذلك أنه ينبغى التروى فى الأمر والإجابة عن أسئلة جوهرية قبل أن يصبح الجهاز الأمنى هو «الكفيل» الذى يصون القضاء ويحميه. من تلك الأسئلة مثلا: هل القضاء فى خطر حقا؟ وهل استهداف بعضهم سببه صفتهم القضائية أم لكونهم جزءا من النظام؟ وما دور السياسة فى ذلك؟ وهل الذين يتعرضون للتهديد هم كل القضاة، أم بعضهم ولماذا؟
إن أحدا لا يستطيع أن يساوم على أمن القضاة. لذلك فإن التدقيق فى مصادر الأخطار التى تهدد بعضهم من الأهمية بمكان. وإذا ما فتح الملف وجرت مناقشته بصراحة وشجاعة فربما تبين لنا أن ما يهدد القضاء حقا ليس الإرهاب ولكنها ضغوط السياسة التى هزت صورته وأثرت على رصيد الثقة فيه. وليس فى ذلك أى تبرير أو دفاع عن جرائم الإرهاب التى ينبغى أن تظل محل إدانة فى كل الأحوال. ولكنها دعوة إلى تفكير آخر فى مستقبل ميزان العدل وأمن الوطن، الذى يستحق أن نناقشه بعمق وجدية.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حقيقة أزمة القضاء حقيقة أزمة القضاء



GMT 09:24 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

أحمد عاطف ركب «التوكتوك» إلى مهرجان «كان»!

GMT 09:22 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

عادل إمام سفير الحرافيش إلى القمة

GMT 09:20 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

لا سعادة بلا حرية!

GMT 09:18 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

الريس حنفي الإبستيني!

GMT 09:16 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

صفقة الربع ساعة

GMT 09:14 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

عمدة باريس

GMT 09:11 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

لحظات حرجة

GMT 09:09 2026 الأربعاء ,25 آذار/ مارس

الخديعة الكبرى

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم
  مصر اليوم - إطلالات أنيقة للنجمات خلال الحمل في شهر المرأة

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 02:00 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

حكايات السبت

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 04:34 2025 الثلاثاء ,21 تشرين الأول / أكتوبر

غاري نيفيل يتوقع استمرار محمد صلاح في الملاعب حتى سن 52 عاماً

GMT 21:20 2019 الخميس ,25 تموز / يوليو

سموحة يتعاقد مع الليبي محمد الترهوني

GMT 06:07 2026 الأربعاء ,18 شباط / فبراير

دراسة تشدد على أهمية قراءة القصص للأطفال

GMT 08:50 2024 الجمعة ,20 كانون الأول / ديسمبر

موجة إصابات جديدة تضرب عدداً من لاعبي فريق الاتحاد

GMT 09:30 2021 الجمعة ,01 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt