توقيت القاهرة المحلي 20:28:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أن تصبح الكراهية حلا

  مصر اليوم -

أن تصبح الكراهية حلا

فهمي هويدي

يوم الاثنين الماضى ١٢/١٠ قام اثنان من الفتيان الفلسطينيين هما أحمد مناصرة (١٣ عاما) وابن عمه حسن (١٥ عاما) بطعن إسرائيليين فى مستوطنة «بسغاف زئيف» بالقدس المحتلة. أحمد أصيب إصابة بالغة بعد إطلاق الرصاص عليه وحسن قتل. فى اليوم ذاته طعنت شروق دويات (١٩ سنة) شرطيا من حرس الحدود قرب مقر الشرطة بالقدس. وكان مصطفى الخطيب (١٨ سنة) قد قتل برصاص الشرطة بعدما طعن أحد عناصرها بسكين قرب باب الاسباط فى البلدة القديمة بالقدس. فرح باكير من سكان بيت حنينا (١٧ سنة) فعلت نفس الشىء، وكذلك على محمد أبوسعيد من يطا جنوب محافظة الخليل. والقائمة طويلة. إذ تحدث موقع «واللا» العبرى عن ٢٦ عملية طعن منذ بداية الشهر الحالى منهم ١٨ يحملون هوية إسرائيلية ٨ من الضفة الغربية. وذكر عاموس هارئيل المحلل السياسى لصحيفة هاآرتس ان ما بين ثلاثة إلى أربعة إسرائيليين باتو يتعرضون للطعن يوميا من جانب الفلسطينيين الأمر الذى اضطر وزير الأمن الداخلى جلعاد اردان إلى استدعاء ١٣ كتيبة من جنوبد الاحتياط لنشرها فى القرى والمدن التى يعيش فيها فلسطينيو عام ١٩٤٨.

غضبة الفلسطينيين فاجأت الجميع. وذكَرت العرب بقضيتهم التى كانت مركزية يوما ما، وراهن البعض على نسيانها وإخفاء ملفها وراء ضجيج الأحداث الأخرى التى تعج بها المنطقة. المفاجأة كانت جديدة فى نوعها وحافلة بالتفاصيل المثيرة. من أهم تلك التفاصيل ان الذين أطلقوها هم أبناء مرحلة ما بعد «أوسلو»، التى وقعت بين القيادات الفلسطينية والإسرائيلية فى عام ١٩٩٣. أى قبل ٢٢ عاما. تشهد بذلك قائمة الشبان والفتيات الذين سبقت الإشارة إليهم. إذ هم يمثلون الأغلبية الساحقة من الذين انتفضوا غضبا وتسابقوا على طعن المستوطنين وتصفية الحساب معهم. وهو الجيل الذى راهن البعض على انه سوف يذوب فى المحيط الإسرائيلى بمضى الوقت ويستسلم للأمر الواقع المفروض لتطوى بعد ذلك صفحة القضية. وتبين بعد نحو عشرين عاما أنه لم ينس ولم يستسلم للقهر والذل، لكنه كان يختزن المرارة والكراهية للذين اغتصبوا الوطن وشردوا أصحاب الأرض.

من الملاحظات أيضا أن أولئك الشباب انطلقوا من داخل الدولة العبرية، وليس من غزة أو الضفة. الأهم من ذلك أنهم جاءوا من خارج المنظمات الفلسطينية التقليدية. لم يتلقوا تعليمات ولا توجيهات ولا حتى تدريبات من أى نوع، إذ لم يحملوا سلاحا ولا فجروا موقعا ولا قاموا بهجوم منظم. ذلك أن كل واحد عبر عن كراهيته للاحتلال والإذلال بطريقته وفى حدود قدرته. كان السكين سلاحا فى متناول الجميع، تلته الحجارة والزجاجات الحارقة.

بدا مثيرا للانتباه كذلك أن أداء الشبان والفتيات اتسم بدرجة عالية من الجرأة. فكل واحد كان يعلم مسبقا أنه لن يخرج حيَا من فعلته، مع ذلك فإنهم أبدوا بسالة فى تحدى الجنود الإسرائيليين المدججين بالسلاح إذ لم يعودوا يرهبوهم أو يخيفوهم. ورأيت أشرطة فيديو لشباب وفتيات يتضاحكون وهم يرشقون الجنود الإسرائيليين، وأدهشنى منظر شاب كان «يدبك» ــ من رقصة الدبكة ــ وهو يركض حاملا مقلاعه «ليقصف» الإسرائيليين بالحجارة.

سواء وصف ما جرى بأنه هبَة أو فزعة أو انتفاضة، فلا أحد يجادل فى أنه انفجار لمخزون الغضب والكراهية يعبر عن رفض الاحتلال بكل ممارساته. وهو ينسب إلى الضمير الفلسطينى وليس إلى سلطة أو جماعة أو فصيل من أى نوع. لقد انطلقت انتفاضة عام ١٩٧٨ بعدما دهس سائق شاحنة إسرائيلى مجموعة من العمال الفلسطينيين عند معبر «اريز» وقتل منهم ثلاثة، ففجر ذلك المشاعر المختزنة وهاجم الفلسطينيون بالحجارة موقعا للجيش الإسرائيلى فى مخيم جباليا، وحين جاء الرد من تل أبيب اتسع نطاق الغضب وعم الحريق الأرض المحتلة، الأمر الذى كانت اتفاقية أوسلو (عام ١٩٩٣) من ثماره.

الانتفاضة الثانية انطلقت فى عام ٢٠٠٠ بسبب عدوان إسرائيلى آخر، تمثل فى اقتحام آريل شارون رئيس الوزراء آنذاك المسجد الأقصى فاستفز مشاعر المسلمين الذين عبروا عن غضبهم بانفجار آخر عم الأرض المحتلة، ورد الإسرائيليون ببناء السور الذى أرادوا الاحتماء به من الغضب الفلسطينى.

الانتفاضة الثالثة التى نحن بصددها أطلق الإسرائيليون شرارتها أيضا، حين أضرم المستوطنون النار فى بيت سعد الدوابشة فى قرية دوما بمحافظة نابلس، مما أدى إلى إحراق طفله الرضيع على، ثم قتل الأبوين بعد ذلك وهى الجريمة التى وقعت فى شهر أغسطس الماضى وأعقبها اقتحام المستوطنين بقيادة أحد الوزراء للمسجد الأقصى والإصرار على التقسيم الزمانى له مع المسلمين. وهو التراكم الذى دفع الشباب الفلسطينيين إلى التعبير عن غضبه ونقمته على النحو الذى نشهده الآن.

ليس معروفا ما الذى سيسفر عنه الغضب الراهن. فقد تحدثت التقارير الصحفية عن إجراءات صارمة اتخذتها الحكومة الإسرائيلية لتأديب الفلسطينيين وإنذارهم، فى حين أشارت إلى جهود للتهدئة تبذلها السلطة الفلسطينية فى رام الله بتشجيع وضغط من بعض الدول العربية المنشغلة بهمومها الداخلية. إلا أن ذلك لن يغير من الموقف شيئا طالما ظل الانسداد قائما وبدائل الحل العادل منعدمة. وإزاء ذلك فإن استمرار الكراهية ومضاعفتها سيظل حلا، والعنف الخارج على السيطرة سيصبح التعبير الوحيد عنها، صحيح أنه حل باهظ التكلفة، ولكن من لديه بديل آخر غير الانبطاح فليدلنا عليه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أن تصبح الكراهية حلا أن تصبح الكراهية حلا



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الضحايا المعتادون

GMT 10:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ماذا تبقَّى من إمبراطورية طهران؟

GMT 10:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أميركا والمونديال والحذر والقدَر

GMT 07:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt