توقيت القاهرة المحلي 10:28:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

درس فى الأخلاق السياسية

  مصر اليوم -

درس فى الأخلاق السياسية

فهمي هويدي
أهل السياسة والإعلام فى تركيا يتداولون القصة التالية التى حظيت بأكبر قدر من القراءة والمتابعة فى وسائل التواصل الاجتماعى. فى الأسبوع الماضى (يوم 15/5) عقدت الاشتراكية الدولية مؤتمرا فى بروكسل، حضره رئيس حزب الشعب الجمهورى السيد كمال قلشدار أوغلو الذى يعتبر حزبه يساريا، وألقى كلمة ندد فيها بالأوضاع الاقتصادية لبلاده واتهم رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان بأنه لا يختلف كثيرا عن بشار الأسد وصدام حسين. وشاء حظه أن يطلق هجومه بعد أيام قليلة من الإعلان الرسمى فى أنقرة عن ان تركيا نجحت فى سداد ديونها الخارجية التى بلغت 85 مليار دولار، وانها تعتزم تقديم قرض لصندوق النقد الدولى بقيمة 5 ملايين دولار. كان يجلس إلى جوار السيد كمال قلشدار على المنصة رئيس المجموعة الاشتراكية فى البرلمان الأوروبى حنس سوبودا الذى أدهشه ما سمعه من المعارض التركى الذى بدا متجنيا ومتحاملا بصورة مكشوفة، فغادر القاعة ولم ينتظر انتهاء كلمته. وقال لمساعديه ان للاشتراكية الدولية قيما وأخلاقا وأعرافا يتعين الالتزام بها، والطريقة التى تكلم بها السيد قليشدار تتعارض مع تلك القيم والأعراف. لذلك فإنه لم يجد سبيلا للتعبير عن الاستياء والاحتجاج سوى مغادرة قاعة الاجتماع فى هدوء. ولم يكن ذلك كل ما فى الأمر، لأن زعيم حزب الشعب الجمهورى كان له موعد للقاء السيد سوبودا بعد ذلك، لكن الأخير قال لمساعديه انه ما لم يعتذر قليشدار عما قاله أو يصححه فإنه لن يكون مستعدا للقائه، وبرر موقفه هذا بقوله ان الزعيم التركى المعارض ضيف ومن احترام تقاليد الضيافة وأعراف الاشتراكية الدولية ان يراعى الضيف شعور مضيفيه وان يتصرف بصدق ومسئولية فيما يعبر عنه.. ولما لم يحدث ما طلبه سوبودا فإن الاجتماع لم يتم وجرى إلغاؤه. أثارت انتباهى القصة من زاوية الحرص على المسئولية الأخلاقية التى ينبغى ان يتحلى بها المعارض السياسى. وهو الدرس الذى أراد رئيس المجموعة الاشتراكية الدولية أن يلقنه للسيد قليشدار، حين دافع بسلوكه ليس فقط عن ضوابط تلك المسئولية ولكن أيضا عن قيم وأعراف الاشتراكية الدولية، وهو موقف لا يتأتى إلا فى ظل نهم عميق لقيم الديمقراطية وصلتها بالأخلاق السياسية، الأمر الذى نفتقده فى حياتنا السياسية، بحكم حداثة عهدنا بالممارسة الديمقراطية وما تستصحبه من مسئولية أخلاقية فى ممارسة الحرية وفى سلوك المعارضة. إذ المتابع لما يحدث فى مصر يدرك ان هناك تداخلا بين الحرية والفوضى، وان هناك التباسا فى ان فكرة القانون يطلق حريات الناس طالما ان ممارساتهم لا تشكل عدوانا على حريات الآخرين، أو تعطيلا للصالح العام. وبسبب ذلك التداخل فإن قيمة الحرية اقترنت فى التطبيق العملى بمفهوم استباحة الآخرين وممارسة مختلف أشكال تجريحهم والحط من شأنهم وإهدار كراماتهم. وخطورة هذا السلوك تكمن فى انه يتحول بمضى الوقت إلى ثقافة سائدة فى المجتمع. ليس فقط لأنه يهبط بمستوى الحوار ويدفع الفريق الآخر إلى ممارسة هبوط مماثل وهو ما نشهده فى تجاذبات الإخوان والمعارضة، ولكن أيضا لأنه يعطى الجماهير دروسا فى كيفية إدارة الخلافات بين بعضهم وبعض. لا يقتصر الهبوط فى الأداء على لغة الحوار بين الفرقاء، ولكنه يمتد ليشمل المواقف التى تتداخل فيها الخطوط بين المعارضة والمعاندة، ولا تميز بين الانصاف الذى ينحاز لما هو ايجابى ويدين ما هو سلبى، وبين المسئولية التى تحث المعارض على ان يقدم البدائل التى يراها محققة للصالح العام، وبين المعارضة الانقلابية التى ترفع شعار علىَّ وعلى أعدائى، بما يعنى انه طالما نحن لسنا أصحاب القرار فكل من عدانا باطل ولا سبيل إلى القبول به. لايعيبنا أن نكون حديثى العهد بالممارسة الديمقراطية، لكن يعيبنا جدا ألا نتعلم من أخطائنا، بحيث نظل نرفع المعاندة شعارا، حتى وإن أدى ذلك إلى غرق السفينة بكل ركابها. نقلاً عن "الشروق"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

درس فى الأخلاق السياسية درس فى الأخلاق السياسية



GMT 07:12 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

ترامب يستعيد العراق من إيران…

GMT 07:11 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

غياب المرشد: الاغتيال اكتمل قبل وقوعه

GMT 07:10 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

إيران أضعف والمطالب أشدّ

GMT 07:09 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

القاموس الجديد

GMT 07:08 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

إبستين والحكومة السريّة العالمية!

GMT 07:07 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

حجج التدخّل في إيران وحجج عدم التدخّل

GMT 07:05 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

الدولة ونتنياهو... والفرص الضائعة

GMT 07:04 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

«بروكسل»... نيودلهي المحطة الجديدة

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - مصر اليوم

GMT 05:54 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر
  مصر اليوم - البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر

GMT 07:53 2025 الخميس ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

كيا سبورتاج 2026 تحصد لقب "أفضل اختيار للسلامة بلاس" لعام 2025

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 08:49 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:27 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العذراء الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt