توقيت القاهرة المحلي 09:08:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الموروث والعصر

  مصر اليوم -

الموروث والعصر

فهمي هويدي
هل صحيح أن الصراع الحاصل فى مصر الآن هو بين الموروث والعصر؟ استوقفتنى هذه المقولة حين ترددت فى الآونة الأخيرة. واعتبرتها من قبيل التشخيص المتسم بالتبسيط والتغليط ــ لماذا؟ لعدة أسباب أولها أن الأزمة يتعذر اختزالها فى عنصر واحد، وإنما هو حصيلة عوامل عدة بعضها داخلى والبعض الآخر خارجى. ذلك أن اللاعبين على المسرح السياسى هم نتاج عدة عقود من الاستبداد والإقصاء أحدثت تشوهات عميقة فى جميع القوى السياسية أفقدتها القدرة على العمل المشترك بقدر ما حرمتها من خبرة إدارة الشأن العام، ثم إن تلك المرحلة تخللتها ارتباطات وتعهدات قدمتها القيادة المصرية السابقة للولايات المتحدة وإسرائيل بوجه أخص، أحسب أنها تشكل قيودا تكبل حركة أى نظام جديد يقوم فى البلد. الأمر الذى يؤثر سلبا على مجال وكفاءة إدارته. السبب الثانى للتبسيط أننا لا نكاد نرى فى التجاذب الحاصل فى مصر صراعا حول معادلة الموروث والعصر. فإذا تساءل المرء منا عن طبيعة الموروث أو العنوان العصرى المختلف عليه فإنه لن يجد. وفيما خص الشريعة مثلا فإننا نجد إجماعا بين القوى المتصارعة على الأقل على القبول بالمادة الثانية فى الدستور التى اعتبرت أن مبادئها تشكل المصدر الأساسى للتشريع. وحتى الخلافات القائمة حول الجمعية التأسيسية أو الدستور أو قانون الانتخابات فإننا نراها خلافات حول أسلوب إدارة الدولة وصراعا بين التيارات السياسية بشأن التمثيل والحصص والاجتهادات فى ترتيب أولويات المرحلة، ولا نكاد نجد أثرا لخلاف حول شىء من الموروث أو حول التعامل مع شىء من تحديات ومتطلبات العصر. خطورة فكرة الصراع بين الموروث والعصر تكمن فى أنها تصوغ العلاقة بينهما على أساس إقصائى وتصادمى، ولا استبعد أن تكون تلك الفكرة من أصداء القسمة المتعسفة وغير البريئة التى أقامت معسكرا منفصلا حشرت فيه القوى الدينية. وفى مقابلة معسكر آخر لجماعات اعتبرت نفسها قوى مدنية. وقد اعتبرتها غير بريئة لأن العنوانين يعبران فى حقيقة الأمر عن الخلاف الإسلامى العلمانى. ولأن العلمانية مصطلح سيئ السمعة ولا جماهيرية له فى مصر فإن أنصارها آثروا إخفاء الصفة بتعبير آخر أكثر قبولا وجاذبية. ووقع اختيارهم على مصطلح المدنية. وهو ما أساء إليهم من حيث لا يحتسبون، لأن وضعه فى مقابل القوى الأخرى ظلمهم من حيث إنه اعتبرهم فى حالة اشتباك وصراع مع المرجعية الإسلامية، فى حين أن أغلبهم ليس كذلك. تماما كما أن ما سمى بالقوى الدينية ليست فى حالة اشتباك أو خصومة مع الفكرة المدنية، إذ إن المقصود بها إدارة المجتمع من خلال مؤسسات منتخبة دونما إقصاء للبعد الدينى والإيمانى. ولدى مفكرى الإسلام المحدثين كتابات غنية فى مدنية الإسلام قدمها شكيب أرسلان ومحمد عبده والشيخان محمد الغزالى ويوسف القرضاوى والدكتور محمد طه بدوى وصولا إلى الدكتور محمد عمارة والمستشار طارق البشرى، وغيرهم كثيرون. تحضرنا تجربة تونس فى هذا السياق. فالحكم هناك قائم على تحالف حركة النهضة الإسلامية صاحبة الأغلبية فى المجلس التأسيسى مع حزبين آخرين لهما تمثيلهما النسبى فى المجلس. أحدهما علمانى والآخر أكثر ميلا إلى اليسار، فيما سمى بـ«الترويكا»، ولم يمنعهم اختلاف الرؤى فى إقامة ذلك التحالف فى حين أن هناك قوى أخرى فى المعارضة ليبرالية وعلمانية ويسارية، والتجاذب بين الطرفين مستمر طوال الوقت. وهذا النموذج يشهد بفساد فكرة التقاطع بين الموروث والعصر أو بين الدينى والمدنى. بقدر ما يدلل على أن سعة الأفق وحسن الإدارة السياسية كفيلان بتحقيق التوافق بين المختلفين واجتماعهم على ضرورة الاحتشاد للدفاع عن المصالح العليا للوطن. لست أشك فى أن أخطاء إدارة الرئيس مرسى أسهمت فى احتشاد القوى الليبرالية والعلمانية واليسارية ضده، لكنى لست واثقا من أنه لو أحسن الإدارة سوف يحظى بقبول تلك القوى وتأييدها له، لسبب آخر لا علاقة له بالموروث أو العصر، يتلخص فى أن هؤلاء الأخيرين احتكروا السلطة فى مصر طوال العقود الثلاثة الأخيرة، الأمر الذى أخضع البلد لحكم الأقلية السياسية فى تلك المرحلة. وحين أجريت الانتخابات الحرة خسرت تلك الأقلية موقعها، وارتفعت أسهم التيارات المعبرة عن الهوية الإسلامية، الأمر الذى أحدث انقلابا فى المعادلة أثار حفيظة أحزاب الأقلية فاستشاطت غضبا، وقررت أن تخوضها حربا شرسة دفاعا عن وجودها، فكانت الأزمة التى نحن بصددها الآن ــ والله أعلم. نقلاً عن جريدة الشروق

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الموروث والعصر الموروث والعصر



GMT 07:12 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

ترامب يستعيد العراق من إيران…

GMT 07:11 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

غياب المرشد: الاغتيال اكتمل قبل وقوعه

GMT 07:10 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

إيران أضعف والمطالب أشدّ

GMT 07:09 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

القاموس الجديد

GMT 07:08 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

إبستين والحكومة السريّة العالمية!

GMT 07:07 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

حجج التدخّل في إيران وحجج عدم التدخّل

GMT 07:05 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

الدولة ونتنياهو... والفرص الضائعة

GMT 07:04 2026 الأربعاء ,04 شباط / فبراير

«بروكسل»... نيودلهي المحطة الجديدة

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - مصر اليوم

GMT 05:54 2026 الخميس ,05 شباط / فبراير

البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر
  مصر اليوم - البرتغال لوحة فنية مفتوحة لعشّاق السفر

GMT 07:53 2025 الخميس ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

كيا سبورتاج 2026 تحصد لقب "أفضل اختيار للسلامة بلاس" لعام 2025

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 08:49 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجوزاء الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:27 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج العذراء الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt