توقيت القاهرة المحلي 20:28:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

فتش عن السياسة

  مصر اليوم -

فتش عن السياسة

فهمي هويدي

منذ عبر الرئيس عبدالفتاح السيسى عن غضبه لانتقاده فى أحد البرامج التليفزيونية، أصبحت مناقشة أزمة الإعلام عنوانا شبه ثابت فى الصحف المصرية. ورغم أن المناقشة لم تكن جديدة تماما، إلا أن الملف فتح على مصراعيه بعد الإشارة الرئاسية، إذ أدلى كل صاحب رأى بدلوه فيه. فقرأنا عن قصور التشريعات وإعادة هيكلة الإعلام وميثاق الشرف الإعلامى ودور النقابة والمجلس الأعلى للصحافة. وتطرقت المناقشة إلى دخول رجال الأعمال إلى المهمة وتدهور مستوى الإعلاميين...إلخ.

ليس لدى تحفظ على فكرة الأزمة التى يعانى منها الإعلام المصرى. وأزعم أن توصيفها على ذلك النحو مخفف إلى حد كبير، ذلك أنه إلى جانب الانتقادات الكثيرة التى توجه إلى أغلب منابره فى الداخل، فإنه أصبح أكثر ما يسىء إلى مصر فى الخارج. ومن يشارك فى أى أنشطة ثقافية أو غير ثقافية فى أى مكان بالعالم العربى تصدمه الانطباعات التى يسمعها عن أداء وسمعة الإعلام المصرى. ولست أشك فى أننى لست الوحيد الذى يرد على ما يسمعه بأن أغلب ما يقدمه الإعلام لا يعبر عن مصر. وإنما هو كاشف عن أسوأ ما فيها، لكنى كنت أضيف أن الإعلام ليس ظالما فقط لكنه مظوم أيضا. وهذه هى الملاحظة التى دفعتنى إلى التطرق للموضوع.

أكرر أنه ليس لدى اعتراض على ما قيل فى تشخيص الأزمة ولا فى المقترحات التى ذكرت للتعامل معها. إلا أننى أعتبر أن ما لم يقل هو الأهم والأولى بالمناقشة. ولتحرير هذه النقطة فإننى أدعو إلى التمييز بين الأسباب الأساسية والأسباب المهمة، كما أننى أدعو إلى التفرقة بين الأسباب والنتائج، ولإيضاح هذه النقطة فإننى ألفت الانتباه إلى خطورة الدور الذى تقوم به وسائل الإعلام فى العالم المعاصر، باعتبارها أكبر العوامل المؤثرة فى تشكيل الرأى العام. عبر عن ذلك زيجنيو بريجنسكى مستشار الأمن القومى الأمريكى حين قال إن التليفزيون هزم الكنيسة فى الولايات المتحدة، بمعنى أن تأثيره أصبح أكبر وأعمق فى حياة الناس من التعاليم الدينية التى تبثها الكنيسة. وإذا كان يخفف من ذلك فى الدول الديمقراطية أن مجتمعاتها يتوافر لها قدر من الحيوية السياسية والكيانات المؤسسية التى لا تتيح للتليفزيون أن يحتكر توجيه الرأى العام، فإن الأمر مختلف إلى حد كبير فى دول العالم الثالث خصوصا غير الديمقراطية منها. فالبنية المجتمعية فى تلك الدول تتسم بالهشاشة والحياة السياسية تعانى من الفراغ. وفى حالات غير قليلة فإن نسبة الأمية عادة ما تكون مرتفعة، وهى العوامل التى تجعل التليفزيون أهم عنصر تأثير فى المجتمع.

لا ننسى فى هذا الصدد أن الأمريكيين حين قاموا بغزو العراق عام ٢٠٠٣ فإن الوحدات الغازية ضمت إعلاميين إلى جانب المقاتلين، وكانت مهمة الأولين هى تسويق فكرة «تحرير» العراق والخلاص من خطره وشروره لدى الرأى العام الأمريكى. كما لا ننسى أن الإعلام الأمريكى كان له دوره فى التمهيد للغزو من خلال إقناع الأمريكيين بخطورة الرئيس العراقى صدام حسين وحكاية أسلحة الدمار الشامل التى قيل إنه استحوذ عليها. وهو الخداع الذى مورس لتبرير الغزو، واعتذرت عنه بعض الصحف الأمريكية لاحقا، حين تكشفت لها الحقيقة (صحيفة نيويورك تايمز مثلا).

الشاهد أن السياسة فى كل مكان باتت تعول كثيرا على الإعلام فى خطابها وتسويغ ممارساتها. وهذا التعويل صار مضاعفا وأخطر أثرا فى المجتمعات غير الديمقراطية. وفى هذه المجتمعات الأخيرة فإن السلطة باتت تدير المجتمع ــ وتقمعه أحيانا ــ من خلال الأمن والإعلام، ولكل منهما أذرعه ووسائله.

لهذا السبب تحديدا فإننا لا نستطيع فى مصر أن نناقش قضية الإعلام بعيدا عن السياسة التى هى ضمن المصادر الأساسية للأزمة. وهو ما يدفعنى إلى القول بأننا قبل الدخول فى الجوانب الفنية والتنظيمية التى هى مهمة لا ريب ينبغى أن نحرر طبيعة العلاقة بين السياسة والإعلام. أكرر أننى لا أقلل من شأن تلك الجوانب لكننى أزعم أن إسهامها فى الأزمة يأتى فى المرتبة التالية لدور السياسة التى باتت تتعامل مع الإعلام باعتباره أحد منصاتها وأقوى أسلحتها المدنية. وحين قلت إن الإعلام ظالم ومظلوم فقد اعتبرته ظالما لافتقاده إلى العوامل التى ذكرها الزملاء، ثم أنه مظلوم أيضا وأولا لأنه ضحية للسياسة التى تصر على الاستحواذ عليه وتوظيفه لخدمة أغراضها وتصفية حساباتها.

هذا العنصر الأخير على أهميته البالغة لم يأخذ حقه من النقاش. لأن الحديث عن دور السياسة يفتح ملفات عدة حساسة يتعلق بعضها بالاختراقات الأمنية واسعة النطاق (مصطلح الصحفيين الأمنجية بات شائعا فى الوسط الإعلامى) وبعضها يتعلق بالديمقراطية والحرية السياسية التى هى البيئة الوحيدة التى ينتعش فيها الإعلام ويستعيد عافيته التى تمكنه من تصويب نفسه وأداء رسالته الحقيقية.

ثمة ملف آخر مسكوت عليه فى مناقشة الأزمة يتعلق بالدور الذى بات يؤديه المال الخليجى فى الإعلام المصرى، والمشتغلون بالمهنة يعرفون أن ذلك المال أصبح حاضرا بقوة فى الساحة، بحيث أقام مؤسسات ومراكز بحثية وصنع «نجوما» لهم دورهم المشهود فى إفساد المشهد الإعلامى وتدهور خطابه. ولابد أن يثير انتباهنا فى هذا الصدد أن هناك جدلا مستمرا فى مصر حول تمويل منظمات المجتمع المدنى، إلا أن هناك سكوتا مدهشا على تمويل المؤسسات الإعلامية والبحثية.

إننا إذا لم ندرج هذين البندين على رأس قائمة عناوين أزمة الإعلام، فإن أى كلام آخر وأية مناقشة للأزمة ستظل بعيدة عن صلب الموضوع.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

فتش عن السياسة فتش عن السياسة



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الضحايا المعتادون

GMT 10:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ماذا تبقَّى من إمبراطورية طهران؟

GMT 10:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أميركا والمونديال والحذر والقدَر

GMT 07:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt