توقيت القاهرة المحلي 05:02:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

النعامة التى ترفس

  مصر اليوم -

النعامة التى ترفس

أسامة غريب

لم أكن أستغرب فى الطفولة أن أتلقى معاملة غير مُنصفة من الكبار بدون مناسبة. كففت عن الاستغراب والدهشة من كثرة ما لقيت من أفعال وردود أفعال لو توجهت بها للقضاء فإنها كانت كفيلة بحصولى على تعويض مناسب! 

عندما كان والدى ينادى علىَّ بصوت جهورى كنت أهرع إليه قائلاً: أيوه يا بابا.

وكنت ما أكاد أنطق بهذه الجملة حتى أتلقى الرد الصادم: جتك أوه يئويك.. ما اسمهاش أيوه.. الناس تقول نعم يا حيوان!

ولأننى لم أكن طفلاً غبياً فقد كنت أستوعب المطلوب بسرعة. وفى المرة التالية التى أسمع فيها النداء باسمى كنت أجرى بكل سرعتى لأمْثُل أمام الوالد قائلاً بصوت مرتعش: نعم يا بابا.

لكن رغم التزامى بما طلب وتجنبى أن أرد بكلمة أيوه فإنه كان يبادرنى بالقول: نعامة ترفسك!

يعنى لو قلت أيوه يتم شتمى ولو قلت نعم يتم شتمى أيضاً. فلأجرب أن أقف صامتاً دون أى كلام.. لكن ثبت لى أن الكلام أفضل بكثير، إذ يسفر عن شتيمة فقط، أما الصمت فإنه كان جالباً لكف من النوع المفتخر ينزل على صدغى!

كان يُعزِّينى ويقلل من إحساسى بالضيق أن كل أصدقائى وزملائى وجيرانى من الأطفال كانوا يواجهون ما أواجه، فلم تترك هذه المعاملة جرحاً غائراً ولا جعلتنا نكره آباءنا.

تكلمنا عن الأب.. يأتى دور الأمهات. كان الواحد عندما يقول نعم يا ماما، يتلقى الرد الفورى: جتك مَوْ! وفى تطور مهم لعملية المَوْ فإننى شهدت والدة أحد أصدقائى وهى تقول له: مَوْ لمّا يشطّح جنابك.

مازلت حتى الآن أجتهد فى معرفة ماهية المَوْ واستيضاح معنى التشطيح، وتأثيرهما إذا اتحدا على الجناب!

قبل أن يأخذك الخيال فتتصور أن آباءنا وأمهاتنا كانوا أشراراً فإننى أحب أن أذكر أن هذه المعاملة كانت تأتى فى الغالب عقب خطأ فادح أو مصيبة قام بها أحدنا. صحيح أنها كانت تأتى أحياناً بدون سبب، لكن عندما كبرنا أظن أن معظمنا أدرك أن مئات الأسباب كانت موجودة تدفع بالأب إلى الغضب والغليان.. ضيق الرزق وغياب العدالة الاجتماعية والمسؤولية الملقاة على عاتق رب أسرة يريد أن يطعم الأفواه، وأم لا تستكين ولا تهدأ منذ الصباح الباكر حتى آخر الليل. عندما كبرنا عرفنا معنى أن يكون المرض ترفاً لا يقدر المرء عليه، ومن هنا فهمت كيف أن أبى وأمى لم يكونا يستطيعان الرقاد فى السرير مثلما كنا نفعل لدى أى دور أنفلوانزا، حيث إن هناك دورا لهما فى الحياة ارتضياه وعليهما القيام بأعبائه.

لم نغضب من الآباء والأمهات الشقيانين المحبطين الذين لم يعرفوا من متع الدنيا إلا الإنجاب!.. رغم أن الواحد كان يشعر أحياناً بالظلم الفادح عندما يتلقى صفعة كان يجب أن يتلقاها رئيس أبى الذى يضايقه فى الشغل فأخذتُها نيابة عنه، أو يتلقى شتمة كان ينبغى أن تكون من نصيب البائع الحرامى الذى غش أمى فى الميزان فى السوق.

لكن تظل الحيرة قائمة فيما يخص الاختراعات اللفظية التى ابتكرها الأهل للتنفيس عن غضبهم من الدنيا فى وجهنا نحن أطفالهم الصغار، وكيف استراحوا إلى فكرة الأوَه الذى «يئوى»، والمَوْ الذى يشطّح الجناب، والنعامة التى ترفس!.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

النعامة التى ترفس النعامة التى ترفس



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt