توقيت القاهرة المحلي 05:02:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

القيمة والمَرَمّة

  مصر اليوم -

القيمة والمَرَمّة

أسامة غريب

كانت جنازة الفنان عمر الشريف كاشفة عن حجم الاهتراء بالنسبة لما يسمى «النخبة المصرية» من مثقفين وفنانين وخلافه، إذ فى الوقت الذى أعرض الجميع عن عمر الشريف وتركوه يذهب إلى القبر فى صمت، فإنهم أكرموا فناناً آخر هو المرحوم سامى العدل أيماً إكرام، ولئن كان العدل يستحق حب الناس والزملاء بلا جدال، فإن المؤسف أن زملاءه لم يكونوا ليحفلوا به لو لم تكن عائلته واحدة من العائلات الفنية التى يطمع السادة الأرتيست فى رضاهم الإنتاجى!. المحزن أن عمر الشريف كان يستحق دولة أخرى غير بلده التى رفض أن يحصل على جنسية غيرها.. أى دولة كان سينتسب إليها عمر الشريف كانت ستودعه الوداع اللائق بقدره وقيمته. كان عمر الشريف يستطيع أن يكون أمريكياً أو إنجليزياً أو فرنسياً أو إسبانياً أو كل هؤلاء جميعاً، لكنه عاش طيلة حياته لا يحمل سوى الجواز المصرى.. وفى النهاية تظاهرت مصر الموكوسة الحالية بأنها لا تعرفه لأنه لا يملك ما يحشو به الأفواه!

شاهدت بعد وفاته الكثير من اللقاءات التليفزيونية التى أجراها عمر الشريف فى مصر وخارجها وقرأت العديد من أحاديثه مع الصحافة، فأكبرته أكثر مما كنت أفعل طيلة حياتى.. خلطة من الذكاء والبريق العقلى والحضور والتوهج والجاذبية والموهبة وإجادة اللغات والانفتاح على العالم.. إننى أزعم أن هذا الفنان المتفرد لا يدانيه ممثل آخر منذ بدأ فن التمثيل وحتى الآن فى إمكانية الأداء بكل هذه اللغات. عمر الشريف وحده يمكنه أن يمثل بالعربى والإنجليزى والفرنساوى والإيطالى والإسبانى واليونانى. متى وكيف وأين هضم كل هذا؟ وما هى نوعية الإنسان الناتج عن كل هذه الخلطة الحضارية.. إنه عمر الشريف الجنتلمان الذى يعرف زملاؤه فى السينما العالمية قيمته، بينما لا يدركها زلنطحية الفن فى بلده بعدما صار فتيان الشاشة هم مجموعة من العيال الجهلة الأقرب فى حياتهم العادية إلى الشبّيحة منهم إلى الأسوياء!.

فى أفلام عمر الشريف الأخيرة التى قدمها فى مصر كنت أشعر بالغضب بسبب تسامحه وتنازله عما لا يجب التنازل بشأنه. مثلاً فى الفيلم السخيف «حسن ومرقص» الذى قدمه مع عادل إمام عام 2008 استطعت أن أتفهم أن احتياجه إلى المال هو الذى دفعه لقبول فيلم ردىء كهذا، لكنى لم أفهم كيف وافق أن يقوم عادل إمام بكتابة اسمه قبله؟ هذا فنان يقف على قدم المساواة إلى جانب لورانس أوليفييه وأنتونى هوبكنز ومارلون براندو وبيتر أوستينوف وجاك نيكولسون، فكيف يتم ابتزازه على هذا النحو؟.. قال عمر الشريف فى تفسير ذلك: أحسست أن هذا يسعد عادل إمام ويعنى له الكثير، فلم أجد غضاضة فى ذلك، خاصة أن هذا الأمر لا يفرق معى. منتهى السلام والصلح مع النفس من جانب فنان لا يدرك أن عادل إمام لم يكن يريده فى الفيلم ولا يحتاجه، وكان يستطيع أن يأتى لتمثيل الدور بسعيد صالح أو أحمد راتب مثلاً، لكنه أحضر عمر الشريف فقط من أجل هدف واحد هو: أن يكتب اسمه قبله. لا يفهم عمر الشريف هذا، أو لعله يفهمه ويتعالى عليه ويضحك فى سره من صغائر البشر الذين لم يروا ما رأى ولا عاشوا ما عاش ولا فهموا ما فهم، ويظنون أن أموال السبّوبة والنحتاية والمرمّة تغنى عن القيمة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

القيمة والمَرَمّة القيمة والمَرَمّة



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt