توقيت القاهرة المحلي 01:45:00 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الطاغية اللذيذ

  مصر اليوم -

الطاغية اللذيذ

أسامة غريب


أحياناً أنظر للطغاة الجبابرة الذين أخضعوا شعوبهم وفرضوا عليها الذلة والمسكنة نظرة إشفاق لأنهم على كل ما حازوه من جاه وسلطان وقدرة على فرض الإرادة لم يستغلوا سطوتهم هذه فى أى شىء نافع للناس أو حتى لأنفسهم، وكل ما استطاعوا الحصول عليه هو التلذذ لرؤية الدماء النازفة والطرب لسماع أنّات الضحايا.

أما أنا شخصياً فلو كنت أملك القدرة والنفوذ لاستخدمتها على نحو أفضل من هؤلاء بكثير.. لا أقول إننى كنت سأسعد البشرية أو أحل مشاكل الكوكب، لكنى كنت على الأقل سأفرغ شحنات التجبر والقهر فيما يسعدنى ولا يؤذى أحداً. على سبيل المثال كنت سأقوم بإحضار فريق البولشوى بكامل هيئته وأستضيفه فى المسرح الكبير الذى سيمتلئ حتماً بالآلاف من محبى الفنون الراقية، ولم أكن لأمنع أحداً من الدخول، إذ ما جدوى أن يشاهد المرء عرضاً بديعاً مما تقدمه هذه الفرقة الروسية العظيمة وحده؟ إن جزءاً من الاستمتاع يكمن فى أن آلاف البشر يرون ما تراه ويشعرون بما تشعر به ويستمتعون بما يمتعك فى نفس الوقت ويشاركونك اللحظة الحلوة بدلاً من أن تأتى هذه اللحظة عليك وأنت حبيس قصرك لا تشعر بأحد ولا يشعر بك أحد.

لم أكن لأكتفى بالبولشوى لكنى كنت سأشرع فى استدعاء أوركسترا برلين السيمفونى وأوركسترا فيينا أيضاً لأستمع منهم إلى مقطوعات بيتهوفن وشوبان وموتسارت وغيرهم من أساطين الموسيقى الكلاسيك، كما كنت سأجلب أيضاً أبرع راقصى التانجو من البرازيل والأرجنتين وسائر مناطق أمريكا الجنوبية وأتركهم يقدمون أمامى إبداعاتهم الفنية الراقصة. وفى هذه السهرات لم أكن لأدعو الوزراء أو المحافظين أو ما يعرف بكبار رجال الدولة، ذلك أننى أعلم أن أغلبية هؤلاء لا تربية ولا تعليم وأنهم لا يتذوقون الفنون ولا يفهمون الموسيقى ولا يخضعون لجلال الإبداع أو يشعرون برهبة الجلوس بين يدى هذه النفحات من روح الله التى أنعم عليها بالموهبة والتفوق. الجديد فى هذه السهرات هو أننى كنت سأصطحب معى صينية فتة كوارع بالخل والثوم مع حلة شوربة لسان العصفور يتوسطها أرنب مسلوق بالإضافة لطبق ممبار كبير والكثير من المخلل. وكنت سأستمتع برؤية السفرجية يفرشون لى المائدة الصغيرة ويضعون الطعام أمامى ثم يبتعدون مسرعين ليفتحوا لى مجال الرؤية قبل أن ينالهم غضبى.. وكنت سأشرب الشوربة بصوت مرتفع ولن أتردد فى أن أرفع السلطانية وأعب منها مباشرة بدلاً من الملعقة الخائبة.. كل هذا كنت سأفعله وأنا أتابع العازفين وأمضى معهم صعوداً وهبوطاً، ولن ينتهى العرض قبل أن أكون أتيت على صينية الفتة والتهمت بعدها طبقين قمر الدين. والذين يبدون الدهشة من أن يجمع شخص واحد بين حب البولشوى وحب الكوارع ولحمة الراس فإنهم لا يستحقون عناء الرد عليهم لأنهم لم يخبروا الحياة الحقيقية بعيداً عن كتب التنمية البشرية.. أما الذين يقولون لأنفسهم بصوت خفيض خشية أن أسمعهم: أما كان باستطاعة هذا الرجل أن يؤجل تناول الممبار لما بعد العرض؟ فإننى أقول لهم: وكيف يستمتع المرء بكونه طاغية إذن؟ هل تريدوننى أن أقطع الرؤوس لأثبت لكم جبروتى يا أغبياء؟

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الطاغية اللذيذ الطاغية اللذيذ



GMT 10:50 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

تحولات

GMT 10:49 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

موضعٌ وموضوعٌ: باب الدموع ومنادب البردوني

GMT 10:48 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

كم تبلغ قوة القانون الدولي؟

GMT 10:47 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

لماذا ينجذب الشباب للدعاة أكثر من المفكرين؟

GMT 10:46 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

إيران: 6 سيناريوهات لحرب أخرى؟

GMT 10:45 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

العراق... نظام 2003 وأزمة النخب السياسية

GMT 10:44 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

طعام أهل الجنة

GMT 10:43 2026 الجمعة ,27 شباط / فبراير

قضايا شعلتها لا تنطفئ

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt